الكرة لا تنمي الوطن و لا يتقدم بالانتصارات الرياضية

الآن وقد وضعت الاحتفالية الكروية اوزارها وربح من ربح وخسر من خسر وتوج من توج من اللاعبين وافرغت المدرجات من المشجعين وضجيج الشعارات المساندة والناقمين والباحثين عن ارباح الادسنس والمهرولين وراء الشهرة وقرصة من( الفكرون) ماذا ربح المواطن المقهور من الكرة هل تغير وضعه الاجتماعي وبدا يشعر بالانتماء الحقيقي للوطن وتغيرت أحوال المرافق الاجتماعية الصحة والتعليم والأمن و هل انتعشت التنمية في وطن تستهويه سياسة الواجهة .

رغم صرف الملايير على الكرة وبناء ملاعب وتجهيزها بأحدث الأجهزة لكن تلك البهرجة والتسويق الذكي لمنتوج الكرة عالميا لم يستطع إصلاح الإدارة ولا محاربة الفساد السياسي والمالي وهذه البرامج المهمة ستبقى مؤجلة الى حين عودة القلاقل بقوة إلى الساحات,

ذهبت سكرة الهتافات والتقاط الصور والاستماع الى تحليلات المباريات من قنوات عالمية ووطنية وإعادة تدويرها في المنصات الرقمية وغاب ضجيج الكرة وعاد المواطن المقهور إلى الواقع المر بعدما ذبح بسيف الفرقعات والرداءة والتجييش المعطل للفكر والحلم الكبير في وطن يتسع للجميع ويحترم الكرامة الإنسانية التي تشيع جنازتها يوميا بالوقوف امام المرافق العمومية وتلقي الاهانات والاصطدام بترسانة من الزيف والوهم الذي تغديه الانتظارية وتمرره وجوه كالحة وزعماء التفاهة التي تعمل على ترويض العقول وتثقن فن الاستدراج إلى الصمت والانخراط في التواطؤ الجماعي والاستكانة للذل واعتبار ربح مباراة في كرة القدم إنجاز عظيم، الدولة الحديثة لا تبنى مستقبل الأجيال بالفرجة المؤقتة ودغدغة المشاعر بل بالمشاريع الكبرى والطموحة التي تضمن العيش الكريم لجميع الطبقات ومحاربة غول الفساد الذي ينخر المؤسسات.

الان بعدما اختفت الأبواق والطبول وأفرغت المدرجات، هل ساهمت الكرة في تغيير الأوضاع الاجتماعية وقضت على الفقر والهشاشة والإقصاء فالاحتفال بكرة منفوخة بالهواء بمثابة الرقص البذيء على جراحات فئة عريضة من الساكنة التي  تنتظر الإنقاذ والانتشال من التهميش والانتظار امام ابواب مؤسسات عمومية لم يبق منها سوى الاسم .

سياسة الواجهة المنتهجة من طرف الدولة لا يمكن ان تحجب الحقيقة المرة التي يعاني منها السكان في الأرياف حيث ينقل المرضى بوسائل بدائية الى مرافق صحية تفتقر الى ابسط المقومات العلاجية وفي ظروف مناخية قاسية اننا نقدم للشعب صورة كاريكاتورية ساخرة عن دولة لا تستطيع اصلاح القطاعات الحيوية ووقف الاختلالات لكنها تنفق الملايير لتسويق منتوج كروي يؤثثه لاعبون مستوردون بينما اغلب النوادي المحلية لم تستطع انتاج ولا لاعب واحد قادر على فرض اسمه في النخبة الوطنية،هذه لوحة اكثر واقعية ومؤسفة ويتم استبخاس المنتوج المحلي الذي يشكل قاعدة عريضة ومن المفروض توفير جميع الشروط الاساسية لخلق قاعدة خلفية قوية من اللاعبين المحليين.

ان اعتبار الاستثمار في تمويل الكرة قادر على تقوية الاقتصاد الذي يراهن عليه لتحقيق تنمية مستدامة يعتبر تلاعب بالمفاهيم والتصفيق للفرح العابر للوقت و يعد عجز ظاهر عن تدبير المصالح تدبيرا عقلانيا والانغماس في ملاحقة الوهم واعتباره خدمة عظيمة للوطن والمواطن في حين ان الازدهار الحقيقي للاوطان يمر عبر تشجيع البحث العلمي والابتكار و الانتاج الفكري والمعرفي والثقافي والاستثمار في المشاريع الكبرى التي توفر فرص عمل وتضخ في خزينة الدولة الملايير سنويا.

ان انتصارات الواجهة لن يخفي قطعا التراجع والركود الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ولن تفيد سياسة الاستهلاك في تأجيل المطالب الشعبية في الصحة والتعليم والامنوتوسيع هامش الديمقراطية الكفيلة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتقعيد مبدا تكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة، مباراة الكرة لن تنسي غلاء الأسعار واتساع رقعة البطالة في صفوف حملة الشواهد والفساد المستشري في أقبية المؤسسات الدستورية والعمومية ولن تكون عصا موسى تنقد القاعدة الشعبية من الغرق والانهيارات الأخلاقية وتعفيهم من التهميش، فحالة الهروب المؤقت من الواقع المر مجرد نشوة عابرة وحماس قوي في لحظات مسروقة من فك الزمن العجيف و تخدير سيزول بانتهاء المباريات، لا تهم هنا النتيجة المسجلة في السبورات ولمن ال الفوز النهائي ومن حمل الكأس وتلقى التهاني، فالنتيجة الحقيقية اليوم حين يستيقظ المواطن المغربي على خسارة ضياع اللقب القاري ، وهذه الخسارة ستعمق ازمته اكثر وسيشعر بالطعنة القاسية لان الكرة ليست من الأولويات التي يجب الرهان عليها فالشعوب لا تتقدم بالانتصارات الرياضية والاستثمار فيها لانها ستزيد من تعميق أزمة غلاء المعيشة والسكن وانعدام البنيات الأساسية من طرقات ومرافق صحية ومدارس ومؤسسات تحترم اختيارات المواطن و حقوق الافراد والجماعات وادارات متقدمة تتجدر فيها الشفافية والنزاهة الكفيلة بنقل الوطن الى الحضارة الحقيقية.

Loading

Share
  • Link copied