الحداد والاحمق والصورة

تقديس الوعي الشقي حاضر في وعينا مند سنوات لأنه نتاج عقل واعي ومدرك،فالعقل اعظم هبة وهبها الله لعباده وبه تتملس قيمة الأشياء المحيطة وتدفع إلى التأمل في الكون و الخلق عبر تحفيز العقل لقراءة عظمة الكون من مختلف الزوايا ، وهذه الخاصيات منزوعة عن الأحمق الذي لا تستقيم الأمور في ذهنه وتلتبس عليه الأمور ويعتقد انه اللوذعي الأوحد في الوجود وانه منزه عن ارتكاب الأخطاء ولا شخص يضاهيه في المعرفة والذكاء وحسن التصرف، فأي إنسان لا يخلو من حماقة غير أن هذه الأخيرة تتفاوت من شخص إلى آخر وكل فرد في المجتمع يثق بسرعة في الناس ويتحدث بعنجهية وغرور ومكابرة معجبا بنفسه أيما إعجاب ويستفيض في الكلام و ينحشر في جميع الأماكن ويحاول فرض نفسه بالادعاءات الفارغة فذلك مرفوع عنه القلم يجب الابتعاد عنه وتجنبه حسب ابن الجوزي في كتابة( أخبار الحمقى والمغفلين) وفي نفس السياق يقول الأصمعي:(إذا أردت أن تعرف عقل الرجل فحدثه بحديث لا أصل له فإن رأيته أصغى إليه وقبله فأعلم أنه أحمق وإن أنكره فهو عاقل).

الأحمق يفتقر إلى ملكات التفكير النقدي الواقعي ومغيب تماما ويعيش في عالم الأوهام ولا يميز بين الصالح والطالح ولا يستفيد من يجلس إليه ويحاوره إلا من نوبات الإجهاد والتذمر ولا يستشعر أية مؤثرات رغم وجود الأدلة ويرقص طربا بالمديح والثناء المغلف، وتحضرني حكاية الحداد والأحمق والصورة، يحكى أن حدادا رزق بابن واعتبره قرة عينه رغم وجود اخوته البنات وتعامل معه بلطف وحنان مبالغ فيه، وحين اشتد عوده أخده معه إلى ورشة الحدادة، ومكنه من الكير وعلمه كيف يضغط على الفكين لإشغال النار، فرح الحداد بالابن الذي تشرب الحرفة بسرعة كبيرة، وأثناء انشغالهما في العمل مر مصور من أمام المحل والتقط لهما صورة، وضعها الحداد فرحا في إطار كبير وعلقها في المنزل معتبرا الابن امتدادا له،في غياب الأب ظل الابن يبحلق في الصورة المحنطة على الجدار، احضر منفاخا وظل يضخ الهواء في الصورة طمعا في اشتعال النار ،حين عجز احضر الفحم واشعل النار وظل يرقص على اللهب مطلقا أصواتا مبهمة ، انتقلت النار إلى أثاث المنزل ومات الأحمق مختنقا بالدخان.

أعاد نشاط جمعوي إلى المخيلة قصة الحداد والأحمق والصورة، لا عبر مواقف مبدئية ولا عبر درس في كتابة القصائد المفعمة بجمالية المعنى والخيال الخصب ولا المقالات الهادفة والمقتحمة للطابوهات التي تغني النقاش ولا تدخلات في لقاءات فنية مبنية على القراءة والتمحيص الدقيق للمعلومات لتدوير الفكرة، بل من خلال صورة لاجتماع جمعية إحسانية تهدف إلى تفعيل العمل الإنساني وتقديم يد العون للطبقات الكادحة ولان النعرة والرغبة في التفرد وممارسة دور الفاهم والمتفهم والعاقل والخبير بخبايا السرائر والمتمنيات تعد القوة المحركة لممارسي الركمجة بدون تبان في التيار الجارف لإظهار علو الكعب والشجاعة وإرسال إشارات عبر المنصات الرقمية بان فاقد الأهلية أصيب برشاش الشفاء باستهلاك العقاقير الطبية التي تحمله على جناح السلامة إلى ما لا تحمد عقباه وحتما ستلاحقه الهلوسات والتفكير المفرط والخوف من المستقبل، فإذا كانت العقاقير تهدا من روعه ولم يعد يتعرى في الزقاق ويصاب بنوبات الهيجان فان النقص من المادة المخدرة يعيد الحالة إلى الوضع الأول واكثر وهذا المنحى يدفع الى السلبية والخوف الشديد

ان استحضار شخصية الحداد الذي أعماه الفرح الطفولي بالابن وتناسى كلية وصايا الأطباء في ضرورة الاحتياط من الحالة الذهنية المتقلبة لنافخ الكير الذي يلازمه الاحساس بالارتياب والاضطهاد والشعور بالخطر المحدق نتيجة الشك الشديد بنوايا الآخرين واعتبار أي تصرف عفوي إهانة موجهة لشخصه بغرض الإيذاء والتشكي من سوء المعاملة للفت الأنظار طمعا في كسب العطف والتعاطف وهذا ليس بغريب على شخص أينما حل وارتحل يخلف وراءه تذمرا وإحباطا ومسكنة في المرافق الصحية في الإدارات في العمالة في الشارع بحثا عن موطأ قدم في الحياة العامة وممارسة الضغط في سبيل الحصول على منصب شغل يغني عن التسول وانتظار الصدقات..

التصرفات المبهمة والمتوترة تعيد إنتاج الصورة الطائشة لشخص يعاني من اضطرابات نفسية ولا تستقيم في وعيه الأمور إلا باستحضار الإحباطات والتذمر والفشل لتصريف العقد النفسية وتفريغ الإخفاقات الداخلية و في كل المقامات والمجالس يستطيب له إعلان الوجود بالشقشقات الفارغة و لعب دور الضحية والتباكي والبحث عن الإشعاع بالقبض على القشور وتوافه الأمور والعمل على تقليبها وتغليفها بالحقد والضغينة حتى يتدثر الصراع المحرك ويظهر بمظهر القابض على ناصية الفهم لماهية الأشياء المحيطة,

فالحداد اعجب بالصورة واستحسن عدسة المصور ولم يخف بتاتا من التحنيط لأنه لو كان الخوف على فلذة الكبد حاضرا في وعيه لجنب الابن الحضور إلى الورشة ونأي بالنفس اللجوجة والأمارة بالارتياب إلى الفضاءات المغلقة وعدم الاحتكاك بالاخرين ليتقي شر الأضواء والكاميرات التي تصيب بالارتجاجات الداخلية وتخلق لديه ارتباكا يؤدي إلى تعطل التفكير واختلاط المفاهيم نتيجة ضيق في قراءة الرسائل الواضحة والتي لا لبس فيها ولا تحتاج إلى المناوئين والمحرضين الذين يبحثون بجدية ومثابرة شديدة للأغر السهل الاستعمال ليعقلوا له الجرس لأنهم غير قادرين على الخروج إلى العلن والمواجهة و لاباس من دفع الآخر الذي يعاني اضطرابات نفسية إلى خوض الصراعات نيابة عنهم ، ولا ننتظر ان يختنق الاحمق بالدخان المر بل ان يستلهم العبرة والدرس وتبقى الصورة معلقة في الجدار بدون خدوش ولا تاثير من عوامل التعرية .

Loading

Share
  • Link copied