غالبا حينما يطرح موضوع تخلف المجتمعات ، فهو يطرح من زاوية التخلف السياسي الاقتصادي والاجتماعي والعلمي وما إلى ذلك من كل مظاهر الحياة ، التي تظهر أنها تجاوزها الركب مقارنة مع الذين وصلوا فيها شأوا بعيدا ، نقيس التخلف بمقاربة مقارناتية ، ونقول تخلف العرب والمسلمون وتقدم الغرب مثلا ، وفي بعض الأحيان يتم إطلاق أحكام فضفاضة وغير دقيقة في هذه المقارنة ، مما يستدعي إعادة تعريف التخلف بشكل دقيق ومضبوط ، هل يمكن الحديث اليوم عن التخلف في شموليته ، أم بنوع من التجزيء على اعتبار أن هناك مجتمعات متقدمة في مجالات معينة تقدما كبيرا ولكن متخلفة في أخرى ؟هل المعايير التي كان يرصد بها التخلف منذ عقود خلت هي نفسها التي لا زال يتم اعتمادها ، أم تطورت الأمور وأصبح الاعتماد على مؤشرات أخرى علمية حقيقية وملموسة من قبيل مؤشرات التنمية ومستوى التعليم ونسب النمو والبنية التحتية والدخل القومي الإجمالي والفردي ونسبة المديونية وما إلى ذلك من الضوابط الأخرى التي من خلالها يتم استصدار حكم التخلف من دونه على مجتمعات محددة ؟ لكن يبقى السؤال الكبير الذي يمكن طرحه في هذا السياق وهو هل يمكن ان تتحقق كل تلك السبل نحو التقدم والتخلص من التخلف في ظل مجتمع غارق في التقليدانية والجمود ، وكأن الأمر يقتضي تحديد نوع وطبيعة المجتمع الذي يساهم في الانتقال من شرنقة التخلف إلى مدارج الرقي والتقدم ، وهذا أمر صحيح وطبيعي ولا يكاد يختلف عليه اثنان من دون شك ، فالمجتمعات المتقدمة التي تقود الحضارة اليوم وتقود معها التاريخ ، بل وتتحكم بمصائر الأقوام والأمم، حققت تلك القفزة النوعية من مجتمع التقليد والجمود إلى مجتمع الحداثة والعلم والاجتهاد والتطور ، نحن لا نتحدث عن تطابق الآليات المفضية إلى ذلك ، واستنساخها كما هي ، فلكل مجتمع خصوصياته التي تميزه ، لكن الأهم هو الحركية والدينامية التي يجب أن تسري في أوصال هذا المجتمع والاستعداد الدائم للتطور والتغيير والتكيف مع تحولات العصر على جميع المستويات ، ومن هنا يظهر جليا أن التخلف عامة له علاقة وثيقة بمجتمع محدد وهو المجتمع التقليدي الذي يستكثر على نفسه التطور والاستفادة من التجارب الأخرى الناجحة في هذا المضمار ، بل نستطيع القول أنه هو المقابل له ، وهو الذي يجسده بكل تفاصيله ، فكيف يمكن إذن تمييز هذا المجتمع التقليدي عن غيره، وماهي أهم السمات الدالة عليه ، والتي إذا رصدتها العين ، خرجت بخلاصة أن هذا المجتمع مجتمع متخلف بدون أدنى مواربة ؟
يشرح الدكتور “مصطفى حجازي “في كتابه الشهير ” التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الانسان المقهور “المجتمع المتخلف بأنه مجتمع تقليدي ، متوجه نحو الماضي يضع العرف كقاعدة للسلوك وكمعيار للنظرة للأمور،الانسان المتخلف كائن تتحكم فيه التقاليد وتقيد كل حركة أو انطلاقة نحو المستقبل لديه ، مما يجع فئات كثيرة مغبونة في البنية الاجتماعية التي يتحكم فيه التقليد ، هذه الفئات التي لا تملك الا الرضوخ أو الانصياع خارجيا رغم ما يحصل في ذاتيتها من صراع ورغبة في التمرد وكسر القيود ، لكن غالبا ما يقابل ذلك بتهديد حقيقي من طرف الجماعة التي ترى في ذلك مساسا بالعرف السائد وطبعا الذي يعتبر غطاء سميكا للحفاظ على مصالحها وامتيازاتها الكثيرة ، فالخاصية الأولى والأساسية في المجتمع المتخلف هو سيادة العرف وحمايته من طرف الجماعات الراعية له والمستفيدة منه بمختلف تلاوينها ، الخاصية الثانية والتي لا تقل أهمية من سابقتها وهي رضوخ المرأة واستعبادها باعتبار ذلك أمر طبيعي عليها أن تتقبله كخاصية أساسية من خصائصها البيولوجية ، ثم استغلال الأبناء كأدوات القوة أو الجاه ، أو الثروة ، أو توكيد ذكورة الأب وأمومة الأم ، أو إقامة التحالفات من خلال المصاهرة ، هو جزء من العلاقة الطبيعية بين الآباء والأبناء ، ملمح آخر من ملامح المجتمع التقليدي المتخلف تتجلى في غنى المتسلط وفقر الكادح وهذا يتم اعتباره قسمة طبيعية للأرزاق والمقامات لا يجوز المساس بها ، وفي هذا الإطار يتوسل المتسلطون الدين من أجل ترسيخ العرف الشائع الذي يخدم مصالحهم ، ويعززون سطوة التقاليد من خلال آيات أو أحاديث لا مجال للتشكك فيها والا تعرض إيمان الانسان المغبون للخطر ، والملفت للنظر هو أن المجتمع التقليدي المتخلف والذين يملكون مفاتيح السلطة فيه ويستأثرون بكل الامتيازات لا يظهرون من الدين الا الجوانب التي تؤكد وتقوي سلطتهم ونفوذهم ، أما الجوانب الثورية في الدين والتحرر واالتغيير والإبداع والعدل والتصدي والشجاعة والجهاد في سبيل الحق والدفاع عن القيم الدينية النبيلة الأخرى في سبيل تحقيق الكرامة للإنسان فيضرب عليه بستار كثيف من التعتيم ، وهكذا يغدو كل ما هو عصري يساعد الانسان على التحرر وامتلاك زمام مصيره بدعة ، وكل توكيد على الحق والعدالة والكرامة زندقة ومروقا وخروجا عن الطاعة ، وبذلك يتحول الدين إلى سلاح مسلط على المغبونين ليدفعه إلى الصمت والاذعان والاستسلام .
نخلص إلى القول إذن أن سيادة العرف والدفاع المستميت عنه من طرف قوى اجتماعية وسياسية محددة يجعل الانتقال إلى سيادة القانون والشرائع لتنظيم الحياة الإنسانية أمرا مستحيلا، وبالتالي يبقى الانتقال إلى الدولة الحديثة أمرا في غاية من الصعوبة، وما يتحكم في أفراده من عادات وتقاليد عفا عنها الزمن والتي لها تأثير مباشر على مستوى عملية التفاعل الاجتماعي والتحرك السلوكي الذي يكرس الجمود وصعوبة التطور ، كل هذا يخدم مصلحة فئة ضئيلة هي التي تحظى بمعظم الامتيازات ، وتستفيد من الحفاظ على الوضع القائم ، وتعمل على إجهاض أي محاولة تروم نسف كل تلك الدعائم التي تحمي بها هذه المصالح في مهدها.
![]()
