الكتابة الابداعية موهبة وهبة من الله ولصقلها تحتاج الى تراكمات لغوية معرفية وفكرية دقيقة وممارسة يومية لتطوير التعابير و شحذ الأسلوب لفتح الباب لمعرفة هادئة تحاول تسليط الضوء على ما يقع من حولنا والعمل على تفكيك مكونات الأحداث لوضعها في السياق العام لفهم الأساليب الواجب اتباعها للرد على الترهات والأباطيل والأراجيز بعيدا عن القراءات السطحية التي لا تفرق بين المقالة التي تتناول حدثا معينا بطريقة سهلة وسلسلة لإيصال المعلومة لشريحة واسعة وبين المقالة النقدية التي تستدعي تفكيك وحدة النص الابداعي والغوص عميقا لاستكشاف بنياته الدلالية والترميزية تنويرا للقارئ وتدويرا للمعرفة الهادفة والمسؤولة.
فالفرق بين المقالة التي تتناول موضوعا سياسيا او اجتماعيا او اقتصاديا او رياضيا …لا يحتاج الى استحضار لغة قوية وتعابير ملغزة بل إلى لغة سهلة في متناول القارئ العادي وبين المقالة الصحافية والنقد الابداعي فرق شاسع لان هذا الأخير يسعى إلى استكشاف واستنباط اللغة والتعابير والمعاني الخفية بمعنى ان النقد يستجلي ما وراء النص الأدبي أو الشعري ليقدمه الى القارئ ويسهل تفكيك معانيه العميقة.
مناسبة هذه المقدمة الطللية التي نعتبرها مجرد توضيح عابر موجه للجاهل الذي يستعين بالذكاء الاصطناعي ليجد ضالته ويخفي مستواه الهزوم ليوهم الاتباع من التافهين انه شخصية متمكنة وقادرة على مقارعة الأخر الذي يجر ورائه تراكما كبيرا وصامت لكنه مقتحم وحاد يربك الحسابات ويستفز الواهمين الباحثين عن مكانة تحت شمس ملتهبة وحارقة في الفضاء الرقمي الذي حول النكرات والتافهين إلى أبواق تتاجر بالمآسي الإنسانية و تفهم وتنظر في كل شيئ في محاولة لإثبات الذات والوجود في آن واحد وهو أمر مستحيل أمام وجود حراس للمعبد الذين يسعون بكل قوة إلى إنتاج نوع من الوعي النقدي يتجاوز المقاربات الناقصة ويتخطى الخطابات المعلبة التي ترقص على الجراح وهو أسلوب أخد في الاتساع لأنه يفكك الأفكار المغلوطة المبنية على تمجيد الأشخاص والمسؤولين عبر تقديم الأدلة ودحض التنطعات الخاطئة والمعيبة وفضح الطحالب الوحشية,
عندما يحاول منتحل صفة صحافي تهريب النقاش إلى مواضيع أخرى هامشية للتغطية على جذر الإشكال فليس لأنه متحكم في آليات النقاش ولديه الأدوات والإمكانات الفنية والابداعية لتقديم القراءات الموضوعية وكشف المساوئ ومناطق الظل والقبح بل لان الجاهل يجعل المواجهة أشبه بمحاولة كبح الفيضان براحة اليد وهذا نوع من أنواع الانتحار العلني لأن الجاهل لا يدرك أن الكتابة الابداعية والنقدية تكمن في بناء أرضيات تلامس منعرجات النصوص وتزيح الغطاء عن الصور البلاغية والإشارات التي تنطلق من اللغة والصور العاكسة لجمالية المعنى.
حين قمنا بفضح منتحل صفة ينظمها القانون فإننا نفعل ذلك بطريقة واضحة وسهلة لتصل المعلومة إلى أوسع قاعدة من القراء لمنع النصب والاحتيال على الابرياء وقطع الطريق على الممارسات المشابهة التي تجعل من الانتماء الى القطاع الاعلامي وسيلة للتكسب والتسول والارتزاق وهنا لا نحاول فقط تفعيل الخيارات القانونية بل نعمل على زعزعة وسحب الثقة من شخص انتهازي واستغلالي لا يمتلك من متاع الدنيا سوى الكذب وخطاب مغشوش مستهلك لذللك نجتهد في تقديمه عاريا أمام الدائرة الضيقة لخلخلة أمزجة التفاعل الرقمي وصولا إلى طرح الأسئلة العميقة لتجنب الافتراء والمغالطات والمعلومات المزيفة لمواجهة هادئة للتفاهة والقدرة على التمييز بين الواقع المازوم والقضايا المعروضة التي تمجد الفساد السياسي والإداري…
الكتابة الصحافية الهادفة تجد لها امتدادا في اللغة و الوعي والخيال، وليس كل من فتح حسابا فيسبوكيا ومارس الرعي في الذكاء الاصطناعي وتاه في الهاتف لساعات طوال يجمع شتات المقالات ويقص وينسخ سيجعل منه ناقدا أدبيا ولا كاتبا في الطابور العاشر او اقل بكثير وهذا الاختيار لا يسعفه إطلاقا في فرض ذاته المنكفئة على النحل وتوهيم النفس المضطربة بانه قبض على ناصبة التعابير والكلمات لان هذه (الثقافة) تتصادم بقوة مع الواقع الحقيقي الذي يضع التصنيفات والتقييم وفق معايير علمية وفكرية محددة فينهار بسهولة الادعاء البطولي الداخلي.
نحن امام شخصية هلامية بدون هوية معرفية ولا مستوى دراسي يؤهله لخوض الصراعات الفكرية العلنية لكنه راكم تجربة في اصطياد الأغبياء والغرقى لذلك التبست عليه الامور ويحاول استغفال الجميع عبر صياغة خطاب انتهازي بحثا عن مكانة في قلب القطاع الإعلامي وليس في هامشه لانه يرى نفسه خارج التصنيفات وخارج أدوات الضبط القانونية عبر ارتداء أقنعة متجددة ولكل مناسبة بحثا عن الخلاص من العطالة وقلة الحيلة عبر نشر فيروس التفاهة المعدي الذي طال شريحة واسعة تعاني الهشاشة والإقصاء الاجتماعي عبر الإلهاء والادعاء بالمقدرة على تغيير الأوضاع ومحاصرة وفضح الفساد بحمل (البونجة) والبحث عن الصورة الأكثر استفزازا لأثاره القلاقل والنعرات وهذا ما نعتبره حالة من التجهيل المبستر الذي يطمح الى ضرب الوعي الهادف وخلق حالة تشويش في المجتمع يؤدي إلى رفع من قيمة التافه وانهيار اكيد للقيم الإنسانية والأخلاقية والتخلص تدريجيا من المثقف الذي يساهم في تطوير النقاش ولنعرج مباشرة إلى التدجين والاستسلام الطوعي للتفاهة والتافهين الذين تناسلوا بشكل مريب في السنوات الاخيرة واصبحوا يشكلون القاعدة بدل الاستثناء.
أمام هذه الهجمات المنظمة والعابرة للوقت التي حولت الساحة الإعلامية الى ساحة للتسول والانبطاح والارتزاق كان لابد من التحرك قبل ان يجرفنا التيار ونصبح نقطة في مستنقع الرداءة والإسفاف ونستسلم للجر والدفع للانحدار الحر نحو القاع ويلتهمنا بشره تيار الميوعة الرقمية لكننا اثرنا المقاومة والحفاظ على نور الوعي الشقي والمشاكس في زمن التجهيل منعا للتلوث الفكري والانسياق والانجراف الطوعي والانغماس الكلي مع القطيع الذي ألف من يقوده من حثالة المجتمع بسبب ترسبات عميقة قوامها الخوف من المقربين من السلطات، لان المقرب من رجالات السلطة والمسؤولين عامة في وعي عامة الناس شخص موثوق فيه يجب مجاراته ودورنا طبعا أن نفك طلاسم المعادلة الخاطئة التي أدت إلى إيقاع ضحايا النصب والاحتيال لذلك مارسنا عمليات الفضح المعزز بالادلة واستطعنا اثارة النقاش في وسط قاعدة واسعة من الاحرار الرافضين للانخراط في جوقة التملق والتطبيل وهذا الامر سيمكن مستقبلا من بناء جبهة فكرية قادرة على محاصرة التفاهة وتفكيك خطابات الارتهان للرأي المضروب والمميع بمعنى ان حملة مشعل التثقيف والتنوير والفعل النقدي ملزمون بالتحرك لحشر الرداءة في الزاوية الضيقة ليس بالشعارات ولا ببيانات الشجب والاستنكار بل بروح المبادرة الوازنة والفاعلة واعتبار محاصرة الجهلاء معركة وجودية لاسترجاع المثقف مكانته اللائقة في دائرة النقاش العمومي الذي اصبح محصورا في القضايا الهامشية والصراعات الوهمية.
ظهور الفقاعات في الحقل الاعلامي انعكاس طبيعي لغياب المنظمات الوازنة التي يجب ان تعمل على تطوير القطاع والتصدي للعراقيل المعطلة للتطور والتنمية. فحين يتحول الجاهل الى مفتي في الصحافة و الابداع والنقد لخلط الاوراق لضمان الاستمرار فان المسالة تستدعي بدون انتظار اقتحام النخبة الواعية والمثقفة الميدان الرقمي بفتح قنوات مضادة والاستعداد للقيام بعمليات جراحية لإزالة الأورام الخبيثة لأنها تساهم في التشتيت وتغطي على الفعل الثقافي و الصحافي الهادف.
هذه المقالة لا تستدعي منا تفكيرا عميقا ولا الجلوس الطويل امام الشاشة انها مجرد تمرين يومي لتطويع الحروف وتسويد البياضات وارسال الاشارات وهذه متعة لشحذ القلم وجعله اكثر فتكا في اذلال المندسين في الاعلام بدون شهادات ولا وثائق ولا مستوى تعليمي. والايام القادة ستكون حاسمة سنكشف زيف الادعاءات ونضع حدا لانتحال صفة صحافي مهني عبر فتح موقع مشبوه دون سلك المساطر القانونية وهذا جدر الاشكال وجدر النقاش الذي يحاول الجاهل تهريبه وتعويمه باثارة الهوامش.
![]()
