هناك أشخاص لا يصنعهم الاجتهاد ولا ترفعهم الكفاءة، انما تصنعهم المكاتب المغلقة وتدفع بهم شبكات الولاء والمصالح. وحين يغادر الراعي أو يسقط الغطاء، تظهر الحقيقة عارية أمام الجميع، ويتبين من كان يستحق موقعه ومن كان مجرد واجهة فرضتها الظروف لا المؤهلات.

ما حدث داخل إحدى المؤسسات الاعلامية مؤخرا بقناة  بعد رحيل المسؤول الذي ظل لسنوات ممسكا بخيوط القرار ويقبض عمولات من طرف مندس في الصحافة مستواه لا يتعدى الرابعة والنصف اعدادي ويدعي الفكر والمعرفة،  وهذا يكشف جانبا من أزمة أعمق تعاني منها بعض المؤسسات التي تحولت فيها معايير الاستحقاق إلى مجرد شعارات للاستهلاك، بينما كانت الامتيازات والمواقع توزع وفق منطق القرب والولاء.

فبمجرد أن تغيرت موازين القوى، بدأت عملية فرز حقيقية للأداء والكفاءة، وسقطت أوراق التوت التي كانت تخفي ضعف بعض الأسماء التي قدمت للرأي العام باعتبارها عناصر مؤثرة، بينما كان الواقع المهني يقول شيئا آخر تماما. وعندما حان وقت الحساب، لم تجد تلك الأسماء ما تدافع به عن وجودها سوى تاريخ من الحماية والعلاقات الخاصة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة إعلامية أن تتحول إلى فضاء لتدوير الجهلة والمتملقين بدل احتضان الكفاءات، وأن يصبح النفوذ بديلا عن الجدارة، والعلاقات بديلا عن الكفاءة. ففي مثل هذه الأجواء تقصى الطاقات الحقيقية، وتفتح الأبواب أمام من يجيدون التملق أكثر مما يجيدون العمل.

الواقعة ليست مجرد مغادرة شخص لمنصبه أو إنهاء مهمة موظف، انما عنوان لمرحلة كاملة كشفت كيف يمكن للحماية أن تصنع أوهاما مهنية سرعان ما تتبخر عند أول اختبار حقيقي. رسالة واضحة لكل من يعتقد أن النفوذ يمكن أن يكون بديلا دائما عن الكفاءة، المناصب قد تمنح بالولاء  لكن الاستمرار فيها لا يحسمه إلا الأداء.

وفي النهاية تبقى المؤسسات الجادة هي تلك التي لا تتغير معاييرها بتغير الأشخاص ولا تدار بمنطق ولي النعمة والمقربين انما بمنطق الكفاءة والمحاسبة والشفافية أما غير ذلك فليس سوى وصفة مضمونة لإنتاج الفشل وتأجيل لحظة الحقيقة لا أكثر.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.