صحافة الابتزاز ضيفا دائما على موائد المسؤولين بإقليم الخميسات

في الوقت الذي تعاني فيه الصحافة الجادة من التهميش والإقصاء والتضييق، يبدو أن أبواب بعض المسؤولين بإقليم الخميسات أصبحت مشرعة أمام فئة جديدة من المتربصين بالمهنة الذين لا يحملون من المهنة سوى الاسم، ولا يمارسون منها سوى ما يخدم مصالحهم الخاصة.

تحولت بعض اللقاءات والأنشطة الرسمية إلى فضاءات لتكريس الرداءة الإعلامية، ويتصدر المشهد أشخاص لا علاقة لهم لا بمهنة الصحافة ولا أخلاقياتها ورسالتها النبيلة، ويتم تجاهل الأصوات المهنية التي اختارت الوقوف إلى جانب الحقيقة بدل الوقوف في طوابير الامتيازات.

المثير للسخرية أن الذين يرفعون شعار الدفاع عن المؤسسات هم أنفسهم أول من يسيء إليها، عندما يحولون الإعلام إلى سوق للمقايضة، وإلى منصة للابتزاز أو التطبيل بحسب حجم المصالح المعروضة على الطاولة. فهناك من يبيع المديح بالجملة، وهناك من يشهر سلاح التشهير والضغط كلما توقفت منابع الامتيازات، وكأن الصحافة تحولت عند البعض إلى مشروع تجاري قائم على منطق ( ادفع تمدح، ارفض تهاجم).

المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود النماذج الطفيلية والصراصير المندسة في المطبخ الإعلامي، إنما في الجهات التي اختارت احتضانها ومنحها الشرعية والحضور. فحين يصبح أصحاب الصفحات الموسمية والميكروفونات المناسبة ضيوفا دائمين على موائد المسؤولين، ويقصى الصحافيون المهنيون من الوصول إلى المعلومة، فإن الأمر لا يتعلق بالصدفة، انما باختيار واضح يفضل الأصوات المروضة على الأقلام الحرة.

إن المسؤول الذي يحيط نفسه بالمصفقين لا يبني صورة إيجابية لمؤسسته، بل يبني جدارا من الوهم بينه وبين الواقع. وحين تستبدل الصحافة المهنية بكتائب التهليل، تصبح الاختلالات إنجازات، والفشل نجاحا، والنقد مؤامرة، والمواطن مجرد متفرج على مسرحية رديئة الإخراج.

إقليم الخميسات اليوم لا يعاني من أزمة إعلام حقيقي، إنما من فائض في المتحدثين باسم الإعلام. تعاني من أشخاص اكتشفوا أن بطاقة أو صفحة إلكترونية قد تفتح لهم أبوابا عجزت الكفاءة عن فتحها. وتعاني أكثر من ذلك من مسؤولين وجدوا في هذه الفئة وسيلة مريحة للهروب من الأسئلة المحرجة والملفات الثقيلة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي إقليم ليس وجود صحافة ناقدة انما غيابها. وليس وجود أصوات مزعجة للمسؤولين، انما هيمنة أصوات لا وظيفة لها سوى التصفيق. وعندما تصبح صحافة الابتزاز ضيفا دائما على موائد المسؤولين، فإن الخاسر الأكبر ليس الصحافة وحدها، انما هيبة المؤسسات وثقة المواطنين ومستقبل الشفافية نفسها.

لقد آن الأوان لوقف العبث المستشري والمكتسح للمطبخ الاعلامي، وإعادة الاعتبار للصحافة المهنية الجادة، لأن الإقليم لن يتقدم بالمطبلين والمبرنقين والمعلمين والنكافات، ولا تبنى بالمزمرين، ولا تدار بالمرايا التي تعكس للمسؤول ما يريد رؤيته ، إنما بالحقيقة مهما كانت قاسية، وبالإعلام الحر مهما كان مزعجا.

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .