كلما اقتربت الانتخابات بإقليم الخميسات خرجت إلى الواجهة وجوه اختفت طويلا عن هموم المواطنين ومشاكلهم اليومية لتعود فجأة وهي ترتدي عباءة العمل الجمعوي والخيري والاحساني جمعيات تنبت كالفطر، وأنشطة تتكاثر بشكل مثير للانتباه، ومساعدات توزع بسخاء غير مألوف، في مشهد يتكرر مع كل استحقاق انتخابي حتى أصبح عنوانا بارزا للانتهازية السياسية المقنعة.
هذه الحركية الاستثنائية لا تظهر إلا عندما تبدأ رائحة الانتخابات في الانتشار. وخلال السنوات الفاصلة بين الاستحقاقات الدستورية تغيب المبادرات وتختفي الأنشطة ويختفي معها أصحاب الشعارات الرنانة. وكأن التنمية لا تصبح أولوية إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع، وكأن معاناة المواطنين لا تستحق الالتفات إليها إلا عندما تتحول إلى أصوات انتخابية محتملة.
الانكى ان بعض الجمعيات تحولت من فضاءات للتأطير والتطوع وخدمة الصالح العام إلى أدوات للتسويق السياسي المبكر. فبدل أن يكون العمل المدني مستقلا ومحايدا، أصبح مجرد جسر يعبر فوقه الطامحون إلى المناصب والامتيازات وقضاء المصالح الضيقة. والنتيجة تشويه صورة المجتمع المدني وضرب مصداقية آلاف المتطوعين الشرفاء الذين يشتغلون بعيدا عن الأضواء والحسابات الانتخابية.
ورغم الميوعة والسقوط في الوحل السياسي المدفوع الاجر فالمواطن أصبح يميز بين جمعية تشتغل طوال السنة وتدافع عن قضايا الناس باستمرار، وبين جمعية موسمية لا يسمع عنها أحد إلا عندما تبدأ الاستعدادات الانتخابية. والعديد من الأنشطة التي يتم الترويج لها بشكل مكثف لا تهدف فقط إلى خدمة المجتمع بقدر ما تهدف إلى صناعة صورة انتخابية وتسويق أسماء معينة قبل انطلاق الحملة الرسمية.
إن أخطر ما يواجه المسار الديمقراطي ليس التنافس السياسي الشريف انه يتمثل بشكل قوي في الالتفاف الصريح و الواضح على القوانين والأعراف عبر استغلال العمل الجمعوي لتحقيق أهداف انتخابية غير معلنة. لذلك فإن المرحلة الحالية تفرض المزيد من اليقظة من طرف السلطات والهيئات الرقابية ووسائل الإعلام والمجتمع نفسه، لمنع الفضاء الجمعوي من الانخراط في الحملات المشبوهة و ساحة للدعاية المقنعة.
إقليم الخميسات يحتاج إلى جمعيات تنموية حقيقية، لا إلى مقاولات انتخابية متنكرة في لباس العمل الجمعوي . ويحتاج إلى فاعلين مدنيين يخدمون المواطنين طوال السنة، لا إلى موسميين يتذكرون الفقراء والشباب والعالم القروي فقط عندما تدق ساعة الانتخابات.
لقد آن الأوان لوضع حد للخلط الممنهج بين العمل الجمعوي النزيه والهادف والعمل السياسي لأن الديمقراطية لا تبنى بالمساعدات الموسمية ولا بالصور الدعائية، بل بالمصداقية والالتزام واحترام ذكاء المواطنين.
![]()

تعليقات ( 0 )