في كل مرة تقترب فيها الانتخابات التشريعية، يعود السؤال الذي يرفض أن يموت: كيف يمكن الحديث عن منافسة سياسية حقيقية في ظل استمرار السلطة الإدارية في الإمساك بمفاصل حساسة من العملية الانتخابية، وعلى رأسها مراحل الفرز والإحصاء وتجميع النتائج.
لقد تجاوز المغرب، نظريا على الأقل مرحلة التدخل المباشر في توجيه وهندسة الخريطة السياسية، لكن بناء الثقة الكاملة في المؤسسات المنتخبة يظل رهينا بإصلاحات أعمق وأكثر جرأة. فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد فتح مكاتب التصويت انما تبدأ فعلياً عند إغلاق الصناديق والشروع في عد الأصوات وإعلان النتائج.
المفارقة أن الأحزاب السياسية تتنافس طوال الحملة الانتخابية تحت أنظار الجميع، لكن اللحظة الحاسمة التي تحدد الفائز والخاسر تبقى مرتبطة بآليات تدبير تثير في كل استحقاق دستوري نقاشا واسعا حول ضرورة تعزيز الاستقلالية والشفافية. فحتى في غياب أي تجاوزات، فإن مجرد وجود الشك يكفي لإضعاف الثقة في النتائج وإعطاء الذرائع للمشككين.
إن الديمقراطيات الحديثة تتجه نحو إسناد العمليات الانتخابية لهيئات مستقلة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري والقانوني، بعيدا عن أي سلطة قد تفهم بحق أو بغير حق أنها طرف مؤثر في المسار الانتخابي وتغليب هذه الجهة على اخرى لاستمرار التحكم في المسار السياسي فالإبقاء على الأساليب التقليدية في تدبير مراحل الفرز والإحصاء، فإنه لا يخدم صورة المؤسسات ولا يعزز ثقة الناخبين الذين أصبحوا أكثر وعيا وأكثر مطالبة بالشفافية.
أن استمرار الجدل حول الجهة المشرفة على تجميع النتائج يساهم في تعميق العزوف السياسي. فالمواطن الذي يشك في سلامة المسار الانتخابي لن يرى في صوته أداة للتغيير انما مجرد رقم يضيع وسط حسابات لا يملك أي وسيلة لمراقبتها أو التحقق منها.
إن المرحلة الحالية والتحولات العميقة التي يشهدها الوطن تقتضي فتح نقاش وطني جريء حول مستقبل الإشراف على الانتخابات، بما يضمن الفصل الواضح بين الإدارة والعملية السياسية ويمنح المؤسسات المنتخبة شرعية أقوى وثقة أكبر فالدولة القوية لا تخشى الرقابة المستقلة وانما تعتبرها إحدى ركائز المصداقية وترسيخ دولة القانون.
لقد حاون الوقت للانتقال من منطق تدبير الانتخابات إلى منطق ضمان الثقة في الانتخابات. فالمعركة الحقيقية لم تعد حول عدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب انما حول مدى اقتناع المواطن بأن صوته يحتسب كما أدلي به، وأن نتائج الصناديق تعكس الإرادة الشعبية دون لبس أو جدل.
فالانتخابات ليست مجرد إجراء تقني،انها عقد ثقة بين الدولة والمواطن. وكلما ابتعدت الجهات الإدارية عن مواقع الشبهة، واقتربت العملية الانتخابية من معايير الاستقلالية الكاملة، ازدادت قوة المؤسسات وتحصنت الديمقراطية من كل تشكيك.
![]()

تعليقات ( 0 )