بقلم : بنعيسى يوسفي كما كان متوقعا ، وكما ذهبت إليه جل القراءا ت و التحليلات السياسية الرصينة ، فاز حزب الأصالة والمعاصرة بالاستحقاقات التشريعية للثالث والعشرين من شتنبر2026 ، وبالتالي تحققت أمنيته التي بقي يطاردها منذ ولادته عام2008. والآن بعدما هدأت الأمور ، وعاد كل حزب إلى قواعده سواء منها من فاز وحقق تقدما ملموسا في عدد المقاعد المحرزة ، أو الذي يجر أذيال الهزيمة والخيبة ، صار السؤال المحوري الذي يطرحه الجميع ، وماذا بعد ؟ نحن هنا لن نتحدث عن الحكومة المقبلة التي سيقودها الجرار ، ولا عن التحالفات التي سيعقدها هذا الحزب المتصدر للانتخابات مع أحزاب أخرى ، كل هذا لا يهم ، وإن كان من صميم الممارسة السياسية الحقيقية ، وتمظهر من تمظهرات الفعل الديموقراطي . الأهم هنا هو كيف سيواجه هذا الحزب المتصدر والحكومة التي سيشكلها التحديات المطروحة أمامه في مختلف المجالات سواء التي ورثها من الحقبة أو الولاية السابقة والتي كان عضوا فاعلا ومحوريا فيها ، أو التي ستظهر إلى الوجود في سياق الأيام المقبلة ، ماهي أجندة هذا الحزب وحكومته لخمس السنوات المقبلة ، وهل يستطيع تطبيق برنامجه السياسي الذي وعد به المواطنين في سياق حملته الانتخابية أم لا..؟
في البداية لا بد من التنويه باحترام المنهجية الديموقراطية في تعيين رئيس جديد للحكومة ، والمسألة وإن كانت دستورية صرفة ، الا أن المؤسسة الملكية ما فتئت ترسل رسائل سياسية كبيرة إلى كل الفاعلين السياسيين في المجتمع لكي يتناغموا مع توجهات هذه المؤسسة ، وأن يلتقطوا الإشارة ، والعمل على دمقرطة أجهزتها وهياكلها ، واحترام الدستور، ولعل الرسالة الأعمق التي بعثتها المؤسسة الملكية عقب هذه التشريعيات 23شتنبر ، هو تعيين امرأة لأول مرة على رأس حكومة مغربية ، وهذا تأكيد آخر أن هذه المؤسسة لا إشكال لديها مع المرأة البتة ، كما أراد أن يسوق لنا البعض ، تحت مسوغات مختلفة ضاربة في التخلف والرجعية .فالدستور فوق الجميع ، ولا أحد له القدرة على تغيير بنوده.
لا يمكن أن يختلف اثنان بأن الولاية الحكومية السابقة بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار ، قد خلفت وراءها إرثا ثقيلا للحكومة الحالية على جميع المستويات ، وفي جميع المجالات ، ولو أردنا القيام بجرد للملفات الثقيلة والحارقة التي ستجد هذه الحكومة نفسها وجها لوجه أمامها لما أسعفتنا هذه الورقة ، ولعل أهمها على الإطلاق غلاء المعيشة وارتفاع نسبة التضخم ، ونسبة البطالة المرتفعة ، وانحسار النمو الاقتصادي ، ومشكل الهجرة ، أما إذا فتحنا ملفي الصحة والتعليم فهذا موضوع آخر ، لكونهما مجالين عويصين والمشاكل التي يتخبطان فيها لا تعد ولا تحصى ، و هي ناتجة عن تراكم المشاكل مع تعاقب الحكومات السابقة والتدبير الكارثي وغير العقلاني لهما ، و هي بمثابة جمرة حارقة يريد كل واحد التخلص منها في أقرب وقت ممكن، كل هذا يقتضي من الحكومة المقبلة التعاطي مع كل هذه الملفات بشكل مستعجل واجتراح الحلول المناسبة للمشاكل التي تطوقها لحلحلتها وتجاوزها ، خاصة إذا علمنا أن هذا الحزب الذي سيقود الحكومة المقبلة على اطلاع واسع على هذه الملفات ، وعاينها عن قرب ، بل وكان يدبر قطاعات معينة حيوية ،في الولاية السابقة، لكن لم يحقق فيها النتائج الجيدة المرجوة، مما يجعل بذور الشك تنصرف إلى الأذهان في مدى قدرة هذا الحزب والأحزاب المتحالفة معه في تنزيل الإصلاحات العميقة والجوهرية التي من الممكن أن تحدث رجة وقفزة نوعية في هذه المجالات ، واليوم بات الرهان أقوى على مواجهات هذه التحديات وترجمة البرنامج السياسي الذي رفعه الحزب المتصدر على أرض الواقع ، والتزم به أمام المواطنين .
لقد رفع حزب البام السقف عاليا في برنامجه السياسي الذي تعهد به أمام الرأي العام في تنفيذه إن أوصلته صناديق الاقتراع إلى سدة الحكم والمسؤولية وهو الذي خاض حملته الانتخابية ، تحت شعار” تغيير المسار”، والذي يلقي نظرة على هذا البرنامج ومحاوره والتزماته ، سيجد أن هذا البرنامج الذي سيكلف حوالي 350مليار درهم على مدى خمس سنوات ، سيستهدف مختلف المجالات والقطاعات موزعة على خمس مواثيق أساسية منها أولا ميثاق القدرة الشرائية بميزانية قد تصل إلى 150 مليار درهم ثانيا ، ميثاق الشباب 50مليار درهم ، ميثاق المواطنة 100مليار درهم ، ميثاق الامن الاستراتيجي 50 مليار درهم ، ميثاق النمو والاستدامة ويضم تسعة برامج هيكلية ، هذا ناهيك عن طموح هذا الحزب في تحقيق نمو اقتصادي بمعدل 5بالمئة وتقليص نسبة التضخم في حدود2في المئة، وسقف عجز الموازنة في حدود3بالمئة وخفض المديونية إلى 62 بالمئة ، وخفض نسبة البطالة من 10.8في المئة إلى 7في المئة مع حلول سنة 2031. وكل ميثاق من هذه المواثيق يضم بطبيعة الحال تفصيلات والتزامات أكثر دقة ووضوح ، لمن أراد الإطلاع عليها كاملة فهي موجودة في برنامج الحزب الذي أدار به حملته الانتخابية.
من دون شك الذي يطلع على هذا البرنامج لا يسعه الا أن يصفق له عاليا ، ويمكن أن يراوده إحساس عميق أننا إزاء مرحلة جديدة وإزاء تحول اجتماعي واقتصادي وسياسي كبير، لا يمكن الا أن يعود بالنفع على المواطن المغربي ، ويمكن أيضا أن يشكل قطيعة مع العهد السابق الذي اكتوى بلهيبه ، حيث تسود قناعة لدى الجميع أن أسوأ مرحلة سياسية عاشها المغرب هي التي انتهت ، مع اقتراع 23 شتنبر .لكن في نفس الوقت يجب الا نبالغ في التفاؤل ، ونقول أن برنامج حزب الجرار الذي يبدو أنه برنامج متكامل ، سيجعل المغاربة يعيشون في بحبوحة ، والدفع بالمغرب كدولة إلى مصاف الدول المتقدمة ، كل هذا لا يجب أن ينسينا أن هذا البرنامج هو أولا برنامج انتخابي صرف ،هو برنامج الوعود والمتمنيات، لاستمالة الأصوات ، وتحقيق الفوز، وليس برنامجا حكوميا تحكمه الكثير من الاستراتيجيات المحددات والحيثيات ، والتصورات الماكرو اقتصادية ، وإملاءات صندوق الدولي ، والمؤسسات المالية المقرضة ، ومع ذلك نحن سنرى ما إن كان هذا الحزب سيعتمد برنامجه في التدبير الحكومي لخمس السنوات المقبلة ، أم سيختبئ وراء نفس المبررات التي درجت جميع الحكومات السابقة الاختباء وراءها . مبررات الإكراهات والتحديات والتحولات الدولية ، والحروب التي تدور رحاها في مختلف بلدان المعمور ، وما إلى ذلك من المبررات التي تجعل المواطن يتساءل عن مدى جدية تأثيرها على واقعه الاجتماعي والمعيشي .
حزب الجرار والأحزاب التي ستشكل معه الأغلبية الحكومية ستكون من دون شك أمام امتحان عسير طيلة الخمس السنوات المقبلة، أولا تنفيذ التزماته التي قطعها على نفسه أمام المواطنين الذين يمنون النفس بغد أفضل ، والدفاع المستميت عن سياساتها المنتهجة في كل القطاعات ، وثانيا أمام معارضة شرسة ستكون أكثر ضراوة بالمقارنة مع الولاية السابقة ، كل هذا سيعطي لا مراء للمشهد السياسي المغربي نكهة خاصة ، وسيجعلنا نتابع فصولا من التعارك والتدافع السياسي الذي لا يمكن في النهاية الا أن يشكل قيمة مضافة للبناء الديموقراطي الي ينشده الجميع في هذه البلاد
![]()
