بقلم : ال عشاق – العلاقة بين المواطن والمسؤول  السلطوي تظل موضوعا يثير الكثير من النقاش حول حدود التقدير المستحق ونوعية الخطاب المفترض توجيهه لمن يتولى تدبير الشأن العام. فالأصل في العمل الإداري والتنفيذي عقد يجمع بين المكلف بالخدمة والمستفيد منها، حيث يتقاضى الموظف أو المسؤول أجرا ومستحقات مالية اقتطعت من جيب المواطن عبر الضرائب والرسوم المختلفة. فإن أداء الواجب وتقديم الخدمات للمواطنين لا يعتبر مكرمة ولا تفضلا، انه التزام قانوني ووظيفي محض يخضع لقواعد المسؤولية والمحاسبة.

وتظهر المبالغة في شكر المسؤولين وتدبيج المقالات الطويلة في مدح أعمالهم الاعتيادية ظاهرة تعكس خللا في فهم أدوار الإدارة الحديثة. إن نفخ القرب المثقوبة وصياغة الإطراءات العريضة حول إصلاح شارع أو توفير خدمة عادية يسهم في تكريس ثقافة المنة بدلا من ثقافة الاستحقاق والواجب، مما يعمي الأبصار عن المساءلة الحقيقية وعن تقييم النجاعة الفعالة لتلك المشاريع ومدى ملاءمتها للأولويات المطروحة.

إن دور المسؤول الحقيقي لا يقتصر على تسليط الضوء على مبادرات عابرة أو حلول ترقيعية، انما يتعداه إلى وضع برنامج عمل واضح ومكتمل الأركان، والحرص على تصريفه وتنزيله وفق جدولة زمنية محددة وآليات حوكمة دقيقة. فالتقييم الموضوعي يتطلب الوقوف عند هذا البرنامج ومعرفة ما تم تنفيذه بالفعل وما تعثر تنفيذه والبحث في أسباب ذلك بدلا من الاكتفاء بالهتاف والتغطية الإعلامية التجميلية.

إن المسؤول الخدوم والنزيه الحريص على أداء واجبه الوطني والإداري بكل أمانة أول من يجب ان  ينزعج من أساليب البهرجة والتزلف، لأنه يدرك تماما أن العمل الجاد والمشرف لا يحتاج إلى أبواق تشيد به ولا إلى براحة يروجون لإنجازاته البديهية. فالإنجاز الحقيقي يفرض نفسه على أرض الواقع ويلمسه المواطن في حياته اليومية دون حاجة لمقالات منفوخة أو محاولات لتجميل الصورة.

ويصبح اتخاذ موقف حازم ضد الجهات التي تستغل البهرجة والتملق للتقرب من مراكز القرار خطوة أساسية لترسيخ إدارة حديثة ومسؤولة. عندما يقفل المسؤول الباب أمام المطبلين ويرفض تحويل أداء الواجب إلى مواسم للإطراء المجاني يحمي المؤسسة من التضليل ويمنع حجب الحقائق والخلل الإداري خلف ستائر المدح الزائف.

وللقطع النهائي مع المديح المجاني يتطلب الأمر إرساء آليات تقييم عملية على المستويين المؤسساتي والشعبي. مؤسساتيا، يجب اعتماد لوحات قيادة رقمية علنية تربط بقاء المسؤول أو ترقيته بمدى تحقيقه لمؤشرات أداء دقيقة ومحددة في برنامجه المعلن، مع نشر تقارير دورية مستقلة حول طرق تصريف الميزانيات ونسبة المشاريع المنجزة. أما شعبيا، فيمكن استبدال المقالات المنفوخة بمنصات رصد مواطنة واستطلاعات رأي دورية تقيس جودة الخدمات والرضا الفعلي للجمهور، إلى جانب تفعيل هيئات التشاور العمومي وتيسير الوصول إلى المعلومة مما يمنح المواطن والإعلام المستقل أدوات علمية لقياس المنجزات بوقائع وأرقام مجردة بدلا من انطباعات مجاملة.

إن ترك الإنجازات تتحدث عن نفسها المقياس الأسمى للنجاح والشفافية. فالبرامج التي تصاغ بعناية وتنفذ بكفاءة عالية وفق جدول زمني محدد وتصريف سليم للميزانيات المقتطعة من أموال دافعي الضرائب لا تحتاج إلى مهرجان إعلامي لتأكيد قيمتها. نتائجها الملموسة وأثرها الإيجابي المستدام هما الشاهد الأول والأخير على كفاءة المسؤول وإخلاصه.

إن اللياقة الإنسانية تقتضي التوصل بالاحترام المتبادل في التعامل المباشر مع موظفي الدولة، لكن الاحترام اليومي يختلف تماما عن صناعة البطولات الوهمية. إن القطع مع ثقافة التزلف والبهرجة الإدارية يمثل خطوة مفصلية لنقل النقاش العمومي من التمهير والتطبيل إلى التقييم الموضوعي والرقابة الواعية. فالمواطنة الحقيقية تقوم على احترام العمل الجاد ومساءلة التقصير، فيما يظل المسؤول القوي بواجباته مستغنيا عن كل المظاهر الشكلية، مؤمنا بأن الأفعال لا الأقوال تصنع الأثر وترسخ الثقة بين الإدارة والمواطن.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.