بقلم:  ال عشاق- في الوقت الذي تختنق فيه ميزانيات الجماعات الترابية تحت وطأة العجز، وتتعالى فيه دعوات الحكومة لترشيد النفقات ومواجهة الأزمات الاقتصادية، يصر أسطول سيارات المصلحة باقليم  الخميسات على تقديم وجه آخر للمفارقة العصية على الفهم. وجه عنوانه الاستهتار بالمال العام، وتحويل آليات الخدمة الإدارية إلى امتيازات عائلية خاصة، في ظل صمت مطبق من الجهات الرقابية وتطبيع مجتمعي غريب مع واحدة من أبرز مظاهر الريع التي تسنزف ميزانيات ضخمة.

لم يعد مشهد سيارات الدولة، الحاملة للوحات الحمراء أو الحرف “ج”، يثير الدهشة وهو يتنقل في محيط الأسواق الممتازة، أو أمام أبواب المدارس الخصوصية، أو حتى في الشواطئ والمنتجعات السياحية خلال عطل نهاية الأسبوع. لقد تحولت هذه الناقلات، التي يفترض أن تتحرك لخدمة المرفق العام، إلى “ملك ملكية خاصة” للمسؤولين وعائلاتهم.

هذا الاستغلال العشوائي ليس مجرد سلوك فردي معزول،  انما  ثقافة ريعية متجذرة تعكس عقلية الاستفادة من مناصب المسؤولية. يدفع المواطن البسيط،  من ضرائبه اليومية، كلفة وقود هذه السيارات، وصيانتها، وتأمينها، ليتحرك بها مسؤول مستهتر لقضاء مآربه الشخصية، في ضرب صارخ لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهنا يكون  ممثل صاحب الجلالة عن الاقليم المسؤول الاول عن محاربة الظاهرة عبر المبادرة وتطبيق القانون  ومنع تحريك  سيارات الادارة بعد انتهاء العمل القانوني.

تلتهم حظيرة سيارات الدولة والجماعات الترابية ميزانيات ضخمة تقدر بمليارات السنتيمات سنويا، وهي كلفة لا يمكن تبريرها بالمنطق الاقتصادي أو الإداري ، وحسب مصادر مقربة  ان فواتير المحروقات  خيالية وتثير اكثر من سؤال عن قيمة عمليات الافتحاص والمراقبة المزعومة حيث تستهلك “بونات الكازوال” بلا حسيب ولا رقيب، وتسجل أرقام فلكية لرحلات وهمية خارج أوقات العمل.  والانكى والاخطر في ذات الان تسابق المجالس الإقليمية والجماعية نحو اقتناء أحدث سيارات الدفع الرباعي الفاخرة، وكأن هيبة المسؤول تقاس بنوع سيارته وليس بحجم الخدمات التي يقدمها للمواطنين. ان فواتير صيانة  اسطول السيارات  تعتبر  ضخمة تصرف من المال العام لإصلاح أعطاب ناتجة عن استعمالات شخصية وعائلية في طرقات وعرة لا علاقة لها بالعمل الإداري.

ففي العديد من الجماعات الترابية باقليم الخميسات  التي تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم، من قنوات صرف صحي ومراكز صحية وسيارات إسعاف، تجد ميزانية الجماعة مثقلة بطلب اقتناء سيارة فارهة لرئيس المجلس أو نوابه والمصيبة انها لا تستعمل في قضاء مصالح الساكنة وطرق ابواب الوزارات والمؤسسات لجلب استثمار ات والدفاع عن مشاريع تنموية امام الجهات المختصة انما تستعمل في الجولات واستعراض العضلات وهناك من تحولت  سيارة الشعب الى ملكية خاصة بعلم المسؤولين  الذين يغضون الطرف لاسباب عصية  على الفهم ولا تستقيم مطالب الاصلح والتغيير وترشيد النفقات.

المثير للاستغراب ليس حجم التجاوزات، بل حالة التواطؤ الصامت التي تحيط بالملف. فرغم وجود دوريات وزارية صارمة، وتعليمات واضحة تمنع استعمال سيارات الشعب خارج أوقات العمل وبدون أمر بمهمة مكتوب وموقع عليه ، إلا أن هذه القرارات تظل حبرا على ورق عند التطبيق. ويتفنن المستفيدون من هذا الريع في التحايل على القانون، إما عبر استصدار أوامر بمهمة دائمة ومفتوحة، أو عبر استغلال غياب دوريات حقيقية للمراقبة في الطرقات من طرف الأجهزة الأمنية والدرك الملكي، التي غالبا ما تتفادى إيقاف هذه السيارات بداعي الحرج الإداري أو النفوذ الذي يتمتع به أصحابها وهذا يعني بالسنبة للمواطنين انه لاقية للقاون  وانه يطبق فقط على الطبقات الكادحة.

إن استمرار هذا النزيف المالي باقليم الخميسات وامام اعين اعلى سلطة بالاقليم يمثل طعنة في مصداقية أي خطاب رسمي يتحدث عن الحكامة الجيدة والدولة الاجتماعية. فالعدالة الاجتماعية تقتضي توجيه هذه المليارات نحو قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والامن وتوفير فرص الشغل، بدل هدرها على رفاهية غير مستحقة لنخبة من المنتخبين والموظفين.

لقد حان الوقت لإنهاء عهد “الدوريات التوجيهية” والمرور إلى العقوبات الزجرية المباشرة. إن حماية المال العام تتطلب اليوم إجراءات حاسمة، أبرزها ، تجهيز كافة سيارات الدولة بنظام التتبع الجغرافي (GPS) لمراقبة مساراتها، وتفعيل لجان تفتيش فجائية بالشوارع، ومصادرة أي سيارة تستغل خارج نطاق القانون مع تحميل المسؤول كلفة المخالفة من ماله الخاص. دون هذه الإجراءات، سيبقى ريع السيارات نقطة سوداء تؤكد أن المحاسبة في بلادنا لا تزال تطبق بمنطق الانتقائية.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.