تستيقظ مدينة الخميسات كل يوم على واقع مؤلم يطبع شوارعها الرئيسية وأزقتها الخلفية؛ واقع أبطاله مواطنون بلا مأوى، وجدوا في الأرصفة والساحات العامة ملاذهم الأخير. لكن المعاناة لا تتوقف عند حدود التشرد والبحث عن لقمة العيش، انما تتعداها إلى ظاهرة أكثر تعقيدا وخطورة:، الانتشار اللافت للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية حادة، يتجولون في وضعية إهمال تام، مما يضع كرامتهم الإنسانية وسلامة الساكنة على المحك.من يتجول في ساحة “الحسن الأول وشارعي محمد الخامس وابن سينا ” أو بالقرب من المحطة الطرقية والأسواق الأسبوعية بالمدينة، يلاحظ بسهولة عشرات الحالات الإنسانية المؤثرة. أشخاص بملابس ممزقة، يواجهون قسوة الطقس من حر الصيف اللافح إلى برد الشتاء القارس دون حد أدنى من الرعاية الصحية أو الاجتماعية.
إن غياب شبكات الأمان الاجتماعي الكافية، وتفكك الروابط الأسرية في بعض الأحيان بسبب الفقر، يرمي بهؤلاء الضحايا إلى الهامش. وتزداد الوضعية قتامة عندما يرتبط التشرد بالمرض النفسي ، حيث يصبح المريض عاجزا عن رعاية نفسه، وربما يشكل خطرا غير مقصود على نفسه وعلى المارة نتيجة نوبات الهيجان الناجمة عن غياب العلاج والمتابعة الطبية.
تجمع الفعاليات الحقوقية والجمعوية بالخميسات على أن المقاربة المعتمدة حاليا تظل “موسمية وترقيعية”. فالحملات التطهيرية الإقليمية التي تنظم بين الحين والآخر لإيواء هؤلاء الأشخاص في مراكز مؤقتة، سرعان ما ينتهي أثرها ليعود الوضع إلى ما كان عليه، بسبب غياب مراكز إيواء دائمة ومتخصصة.
أبرز مكامن الخلل تتجلى في النقص الحاد في البنيات الطبية المختصة بالطب النفسي والعقلي بالإقليم. المستشفى الإقليمي بالخميسات يفتقر إلى جناح متكامل وقادر على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة وتقديم العلاج المجاني والمستمر لهم، مما يجعل العائلات الفقيرة عاجزة عن احتواء أفرادها المرضى، وينتهي ببعضهم المطاف في الشارع.
أمام هذا الوضع المقلق، تتصاعد أصوات الساكنة وجمعيات المجتمع المدني بمدينة الخميسات لمطالبة الجهات المسؤولية — من سلطات محلية، ومجالس منتخبة، ووزارة التضامن والإدماج الاجتماعي، ووزارة الصحة — بالتدخل العاجل عبر استراتيجية واضحة تشمل: إحداث مركز استشفائي متخصص: لتشخيص الحالات النفسية وتقديم العلاج والأدوية بشكل منتظم. بناء مراكز رعاية وإيواء دائمة: تضمن للمشردين المأكل والملبس والكرامة الإنسانية، وتعمل على إعادة إدماج من تسمح حالتهم في المجتمع أو ربط الاتصال بعائلاتهم. تفعيل الشراكات: بين المجالس المنتخبة والمجتمع المدني لتمويل مشاريع مستدامة تعنى بهذه الفئة الهشة. إن ملف المتشردين والمرضى النفسيين بالخميسات لم يعد مجرد مسألة إحسان أو تعاطف عابر، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام المسؤولين المحليين بحفظ الكرامة الإنسانية وتحقيق الأمن المجتمعي في مدينة تتطلع إلى التنمية.
![]()
