بقلم : ناشط جمعوي
على بعد كيلومترات من مدينة الخميسات عاصمة زمور ، تقع جماعة “تيداس اقليم الخميسات. مكان يدرك زائره منذ الوهلة الأولى أنه يعبر زمنا مغايرا، حيث تبدو حركة الأيام بطيئة، وتفاصيل المعيش اليومي ترسم لوحة قاتمة لمنطقة يبدو أن قطار التنمية قد أخطأ سكته نحوها، ليتركها تواجه مصيرها بين ذكريات ماض مزدهر وواقع حاضر معقد تعود اكراهاته واسبابه الى المسؤولين عن تيير وتدبير مواردها المالية والبشرية.
الماضي الجميل.. حين كانت تيداس مركزا نابضا
لا يمكن الحديث عن تيداس دون العودة بالذاكرة إلى الوراء ا ذ شكلت المنطقة وتحديدا إلى فترات القرن الماضي. يستحضر شيوخ البلدة بكثير من الحنين والشجن كيف كانت هذه الجماعة مركزا اقتصاديا واجتماعيا واداريا متطورا يشار إليه بالبنان في المنطقة. كانت تيداس محطة رئيسية للتجارة والخدمات المتطورة ، وحاضنة لأنشطة فلاحية ورعوية مدرة للدخل، تضمن الاستقرار لساكنتها وتجذب إليها الزوار من الجماعات المجاورة.
في ذلك الوقت، كانت الخدمات الأساسية، على بساطتها، تلبي حاجيات السكان، وكان الأمل في الغد يحرك سواكن الشباب. غير أن هذا البريق بدأ يخفت تدريجيا، لتتحول الأمجاد السابقة إلى مجرد حكايات تروى في المقاهي الشعبية على لسان جيل عاين الرخاء ويتحسر اليوم على ما آلت إليه الأوضاع.
حاضر يئن تحت وطأة الخصاص والعزلة
اليوم، تبدو الصورة في تيداس مختلفة تماما. فالزائر للمركز وللدواوير التابعة للجماعة يلمس بوضوح مظاهر غياب البنيات التحتية الأساسية. طرقات مهترئة تزيد من عزلة الساكنة خصوصا في فصل الشتاء، وضعف في شبكات التطهير السائل، وإنارة عمومية متقطعة في بعض الأحياء.
أما القطاع الصحي فيشكل العصب الحساس الذي يؤرق مضجع الساكنة؛ حيث يشتكي المواطنون المستمر من قلة التجهيزات الطبية والخصاص في الأطر التمريضية والطبية، مما يضطر المرضى والنساء الحوامل إلى قطع مسافات طويلة صوب مستشفيات الخميسات أو الرباط لتلقي علاجات بسيطة، وهو ما يعمق معاناتهم المادية والنفسية.
الشباب والهجرة.. الهروب من واقع بلا أفق
في ظل هذا الركود الاقتصادي وغياب فرص الشغل، يجد شباب تيداس أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستسلام لبطالة خانقة تقود إلى التهميش، أو ركوب قوارب الهجرة نحو المدن الكبرى كالقنيطرة، سلا، أو الدار البيضاء بحثا عن لقمة العيش.
يقول أحد أبناء المنطقة: “تيداس تملك مؤهلات فلاحية وطبيعية هامة، لكن غياب الدعم للمشاريع المدرة للدخل وغياب الاستثمار يجعل الأفق مسدودا أمامنا. نحن لا نطلب المستحيل، فقط الحد الأدنى من شروط العيش الكريم لكي لا نضطر لمغادرة أرض أجدادنا”.
انتظارات معلقة على مشجب المستقبل
إن الوضع الحالي لجماعة تيداس يسائل كل الفاعلين المحليين والجهويين. فرغم بعض المحاولات والمشاريع المحتشمة التي يتم الإعلان عنها بين الفينة والأخرى، إلا أن حجم الخصاص يتطلب مقاربة تنموية شاملة، تبدأ بفك العزلة الطرقية، وتأهيل المركز، ودعم الفلاحين الصغار، وخلق بدائل اقتصادية تعيد للمنطقة حيويتها.
تواجه جماعة تيداس اليوم تحدي المصالحة مع تاريخها التنموي. والساكنة لم تعد تكتفي بالوعود الانتخابية أو الخطط الحبرية، بل تتطلع إلى حلول ملموسة على أرض الواقع تعيد لتيداس بريقها المفقود، وتجعل حاضرها ومستقبلها جديرا بماضيها المشرق.
![]()
