بقلم : ال عشاق
شكل إنشاء الأسواق النموذجية بمدينة الخميسات أحد أبرز المشاريع التي راهنت عليها السلطات المحلية والجماعات الترابية لتنظيم التجارة غير المهيكلة، والحد من ظاهرة احتلال الملك العمومي، وتحسين المشهد الحضري للمدينة. غير أن هذه التجربة، التي خصصت لها استثمارات مهمة، ما تزال تثير نقاشا واسعا حول مدى قدرتها على تحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية، خاصة في ظل استمرار عدد من الباعة الجائلين في ممارسة نشاطهم بالشوارع والأرصفة. ويؤكد عدد من الباعة الجائلين أن انتقالهم إلى الأسواق النموذجية لم يكن دائما حلا ناجعا، إذ يشتكون من ضعف الإقبال التجاري، وبعد بعض الفضاءات عن مراكز الحركة الاقتصادية، وهو ما انعكس مباشرة على مداخيلهم اليومية. ويعتبر هؤلاء أن الزبون اعتاد اقتناء حاجياته من الشوارع والأسواق المفتوحة، الأمر الذي جعل العديد منهم يجدون صعوبة في الحفاظ على مورد رزقهم بعد الانتقال إلى هذه الفضاءات.
في المقابل، ترى الجهات الداعمة للمشروع أن الأسواق النموذجية تمثل خطوة ضرورية لتنظيم المدينة، وضمان ظروف أفضل لممارسة النشاط التجاري، سواء من حيث النظافة أو السلامة أو احترام القانون، إضافة إلى حماية حقوق التجار النظاميين الذين يتضررون من المنافسة غير المنظمة واحتلال الأرصفة والطرقات.
وتبرز تجربة الخميسات أن نجاح هذه المشاريع لا يرتبط فقط بتوفير محلات أو فضاءات للبيع اكثر تنظيما، بل يتطلب مقاربة متكاملة تشمل اختيار مواقع تستقطب الزبائن، وتوفير التجهيزات والخدمات الأساسية، وإشراك الباعة في مراحل التخطيط واتخاذ القرار، مع مواكبتهم اقتصاديا واجتماعيا خلال فترة الانتقال. كما أن تحرير الملك العمومي يحتاج إلى تطبيق متوازن للقانون يراعي في الوقت نفسه الأبعاد الاجتماعية لفئة تعتمد على التجارة الجائلة كمصدر رئيسي للعيش.
وتشير معطيات وتقارير خاصة إلى أن مشروع الأسواق النموذجية بالخميسات عرف خلال السنوات الماضية مراحل متعددة، من تشييد الفضاءات وإجراء عمليات توزيع المحلات، وصولا إلى تحديات مرتبطة بالإقبال والاستغلال الفعلي لهذه الأسواق، وهو ما جعل الملف يعود إلى واجهة النقاش كلما تجددت حملات تنظيم الملك العمومي أو ارتفعت مطالب الباعة بإيجاد حلول أكثر ملاءمة لواقعهم الاقتصادي.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن التجارب الناجحة في مدن أخرى أظهرت أن إشراك الباعة في اختيار مواقع الأسواق، وضمان سهولة الولوج إليها، وتوفير شروط الجاذبية التجارية، عوامل أساسية لإنجاح عملية الإدماج. كما أن مواكبة المستفيدين ببرامج للتأطير والتكوين، وربط هذه الفضاءات بالحركة التجارية اليومية، يمكن أن يحول الأسواق النموذجية إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية بدل أن تبقى منشآت لا تستغل بالشكل المطلوب.
ويبقى التحدي الأكبر بمدينة الخميسات هو تحقيق التوازن بين حق المواطنين في مدينة منظمة وآمنة، وحق الباعة الجائلين في ممارسة نشاط يضمن لهم دخلا كريما. فنجاح الأسواق النموذجية لن يقاس بعدد المحلات التي شيدت، وإنما بمدى قدرتها على استقطاب التجار والزبائن معا، وتحويلها إلى فضاءات اقتصادية نابضة بالحياة تساهم في تنمية المدينة وتحسين جودة العيش بها.
![]()
