بقلم : ال عشاق –تطرح ظاهرة توافد أفواج بشرية غير مسجلة تضم عناصر تعاني من اضطرابات عقلية ونفسية وأشخاصا متشردين يتم نقلهم عبر حافلات وشاحنات من مدن مجاورة وإلقاؤهم على مشارف مدينة الخميسات إشكالات قانونية وحقوقية ومؤسساتية عميقة. نمط من التعامل الميداني يتجاوز مجرد كونه تدبيرا عابرا ليلامس خرقا صريحا للمقتضيات الدستورية والقانونية المؤطرة لحماية حقوق الإنسان والتدبير الترابي وتفعيل سياسات القرب الاجتماعي.
يكفل المشرع المغربي لكل المواطنين الحق في حرية التنقل والإقامة وفي نفس الوقت يفرض على الدولة والجماعات الترابية واجب حماية الكرامة الإنسانية وصيانة النظام العام بناء على معايير الشفافية وسيادة القانون. إن عملية نقل مجموعات بشرية من حواضر وجهات أخرى نحو مشارف الخميسات والتخلص منها هناك تشكل انتهاكا صارخا لحرية الأفراد وحقهم في الحماية القانونية حيث لا يحق لأي جهة إدارية أو أمنية خارج الإطار القضائي والمؤسساتي المختص نقل أشخاص في وضعية هشاشة وتصديرهم إلى مجالات جغرافية أخرى للتخلص من العبء المحلي. إن التعامل مع المختلين عقليا أو الأشخاص في وضعية صعبة باعتبارهم أعباء ترابية يتم التخلص منها عبر الحدود الإدارية للجماعات يعكس فشلا ذريعا في تنزيل السياسات العمومية الموجهة للصحة النفسية والرعاية الاجتماعية ويحول الفئات الهشة إلى مجرد أرقام فائضة يتم ترحيلها خلسة.
تظهر الممارسات اختلالات جوهرية في التنسيق بين السلطات الترابية والجماعات المحلية على مستوى الجهة والمدن المجاورة. وبدل معالجة المشاكل الاجتماعية البنيوية كالبطالة والهشاشة والخصاص في البنى التحتية الاستشفائية والنفسية داخل مصادرها الأصلية تلجأ بعض المصالح الإدارية والمنتخبة في المدن الكبرى المجاورة إلى حلول ترقيعية قوامها تصدير الأزمة جغرافيا نحو مدن مثل الخميسات التي تعاني أساسا من إكراهات تنموية واقتصادية. إن التدبير الإداري السليم يفترض وجود خلايا يقظة اجتماعية وتنسيقا بين وزارة الداخلية ووزارة الصحة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية لضمان إيواء المتشردين والمرضى ودمجهم أو علاجهم لا تكديسهم على أطراف المدن بشكل يعمق الفوضى الحضرية ويشكل ضغطا إضافيا على المصالح المحلية المحدودة الموارد.
يعاني إقليم الخميسات أصلا من معدلات بطالة مرتفعة وهشاشة سوسيو اقتصادية ناتجة عن ضعف الاستثمار العمومي والخاص وانكماش الدورة الاقتصادية مقارنة بالأقطاب الاقتصادية الكبرى المحيطة به مثل الرباط وسلا والقنيطرة. وإن انتشار خطاب التنمية البشرية الوهمي والمقاولاتية الزائفة على أنقاض الواقع الاقتصادي المأزوم يعكس غياب فرص العمل الحقيقية اذ يتحول الفراغ الاقتصادي إلى بيئة خصبة لظهور وسطاء الوهم الذين يستغلون بساطة المواطنين ويقدمون شعارات فارغة كبديل للسياسات التشغيلية الحقيقية. ويجد المواطن الزموري نفسه مجبرا على تحمل تبعات السياسات العشوائية فبدل أن تساهم المدن الكبرى في دعم التنمية المحلية تتحول الخميسات إلى مكب اجتماعي يستقبل فائض الأزمات البشرية والنفسية للمدن المجاورة مما يكرس التفاوتات المجالية ويضرب في عمقه مبدأ التضامن الجهوي الذي ينص عليه الدستور.
يتطلب الوضع الحالي تدخلا حازما ومؤسساتيا يستند إلى مقاربة تشاركية وقانونية واضحة بدءا من فتح تحقيق ترابي وقضائي لتحديد الجهات المسؤولة عن عمليات النقل العشوائي للأشخاص نحو مشارف الخميسات ووصولا إلى إحداث وتأهيل مراكز استشفائية جهوية متخصصة في الإيواء الصحي والنفسي لحماية الأشخاص في وضعية شارع مع وقف سياسة الترحيل الممنهج عبر الحدود الإدارية واعتماد سياسات عمومية مندمجة تعالج الفوارق الاجتماعية داخل موطنها الأصلي بدل تصديرها.
![]()
