بقلم : جواد الخطابي-لم يعد النقاش المثار حول الإعلام الأمازيغي العمومي بالمغرب مجرد مساجلات موسمية ترتبط بتغيير الملامح الإدارية أو تعديل شبكات البرامج، انما  أضحى مسألة حيوية ترتبط بالحق الدستوري في الإعلام الثقافي ومدى قدرة المرفق العمومي على تجسيد التعددية اللغوية الوطنية بأعلى درجات الاحترافية والتنافسية. إن معالجة مثبطات الجودة والشفافية تقتضي الخروج الفوري من منطق التدبير اليومي أو المسكنات الإدارية، وتدشين إصلاح هيكلي يستند إلى ركيزتين أساسيتين هما إعادة تنظيم حوكمة صفقات الإنتاج الخارجي، وتأهيل البيئة المهنية واللغوية للإنتاج الأمازيغي.

يشكل قطاع الإنتاج الخارجي العصب الأساسي لتغذية القناة بالبرامج والدراما، إلا أن منظومة طلبات العروض الحالية باتت تتطلب إعادة هيكلة شاملة لضمان الشفافية وتشجيع التنافسية الإيجابية. وتحقيق ذلك يستوجب تحويل عملية تقديم العروض والتقييم والإعلان عن النتائج إلى منصة إلكترونية رقمية بالكامل تضمن الشفافية وتعتمد نظام التشفير التلقائي لهوية الشركات المتقدمة أثناء مرحلة التقييم الفني لمنع أي تحيز مسبق. كما يتطلب الأمر إعادة صياغة دفتر التحملات عبر وضع كراسات شروط منفصلة حسب طبيعة المنتج من وثائقي ودراما وبرامج حوارية، مع تحديد ميزانيات متناسبة مع متطلبات الإنتاج الاحترافي لمنع ظاهرة المضاربة السعرية التي تؤدي بالضرورة إلى ضرب الجودة الفنية، إلى جانب إقرار آلية تنظيمية تمنع استحواذ عدد محدود من شركات الإنتاج على نسبة ضخمة من الطلبات وتخصص حصة إلزامية للمقاولات الإعلامية الشابة والكفاءات المستقلة لتجديد الدماء في الساحة الفنية.

إن أحد أبرز مآخذ المهنيين والمشاهدين على المنتوج الأمازيغي يكمن في الاختلالات اللغوية والتراجعات الجمالية، مما يستدعي إرساء ضوابط صارمة من خلال إحداث لجنة تدقيق لغوي وفني مستقلة تضم خبراء في اللغة والأدب الأمازيغي والمجال السمعي البصري، تتولى مراجعة السيناريوهات والترجمة والضبط اللغوي للإنتاجات قبل بدء التصوير وفي مرحلة التوضيب النهائي. وتكتمل هذه الخطوة بتعديل معايير اختيار المشاريع بحيث تُمنح النسبة الأكبر من النقاط للجودة الفنية وحبكة السيناريو والهوية الجمالية بدلا من التركيز المفرط على العرض المالي أو الأقدمية.

ولأن الإعلام لا يمكن أن يرتقي دون بيئة عمل محفزة ومستقرة للأطر الصحفية والتقنية داخل المؤسسة، ينبغي اعتماد آليات شفافة لشغل مناصب المسؤولية وتدبير المسارات المهنية بناء على الكفاءة ومردودية الأداء بعيدا عن منطق المحسوبية والتوازنات الفردية، مع إطلاق برامج تدريبية متخصصة ومستمرة بالتنسيق مع المعاهد الوطنية والدولية في مجالات التقنيات الحديثة وصحافة البيانات وصناعة المحتوى الرقمي الموجه للشباب.

إن نجاح الإدارة الجديدة للقناة الأمازيغية لا يقاس بالشعارات أو بالنوايا الحسنة، لكن  بمدى امتلاك الجرأة السياسية والإدارية لترجمة المقترحات إلى قرارات حاسمة، فالإعلام الأمازيغي لم يعد يحتمل خيارات الترقيع، انما  يحتاج إلى تعاقد جديد يجعل من الجودة والحكامة بوصلتين أساسيتين لكسب ثقة المشاهد وتجسيد القيمة الحقيقية للتنوع الثقافي المغربي.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.