بقلم : مريم امزيل –لو أن سيبويه بعث اليوم وحضر اجتماعا واحدا في إحدى المديريات الإقليمية لوزارة التربية الوطنية، لطلب اللجوء اللغوي إلى جزيرة الواقواق… فأحدث البلاغات القادمة من إقليم الخميسات زفت خبرا يثلج الصدور، وفد رفيع المستوى، يضم رؤساء مصالح ومدراء مراكز، قام بـزيارات ميدانية لمواكبة الدورات التكوينية حول برنامجي مراجعة والتدريس الصريح في إطار مؤسسات الريادة وبنداء من خارطة الطريق 2022-2026.
تأملوا حجم القاموس اللغوي الثقيل في جملة واحدة… التدريس الصريح… وهل كان الاستاذة ورجالات التعليم عموما طوال العقود الماضية يمارسون التدريس المشفر…؟ أم كانوا يدرسون بالتلميح والإشارات السرية مثلا….؟ المشكلة في المنظومة التعليمية لم تكن يوما في قلة المصطلحات… انما في تضخم المسميات على حساب المضمون. لقد مررنا عبر العقود بما يكفي من المقاربات حتى أوشك المجتمع على فتح متحف للمصطلحات، فقد بدأ الامر بـالبيداغوجيا الفارقية (ولم نفرق شيئا). وثم القفز إلى التدريس بالكفايات (فخرج التلاميذ بلا كفايات ولا هم يحزنون) وعرج على مقاربة TaRL (التي تم التعامل تعامل معها كرمز فلكي). واليوم وصل الاجتهاد إلى التدريس الصريح ومؤسسات الريادة…
إن القارئ لهذه البلاغات الرسمية يخيل إليه أن المدارس أصبحت مفاعلات نيوكليارية تدار بأحدث شفرات الذكاء الاصطناعي. لكن إذا هبطت من برج المصطلحات الفخمة إلى أرض الواقع في أرياف وبلدات الإقليم، ستجد أن المشكلة ليست في كون الدرس صريحا أو ضميرا مستترا، في أسقف تقطر ماء، واكتظاظ يجعل الفصل يشبه حافلة للنقل الحضري في وقت الذروة…
جميل جدا أن يتفقد المسؤولون دورات التكوين المستمر، وجميل أن يؤطر السادة المفتشون ورشات لتوحيد التصورات وتجويد التعلمات. لكن الأكثر إفادة أن ننزل المصطلحات من أبراجها العاجية. فالطالب في القسم الابتدائي لا يحتاج إلى إرساء الرؤى وتنزيل التدابير، يحتاج ببساطة إلى أستاذ مرتاح، وطاولة سليمة، وكتاب واضح، وسقف يلمس السماء دون أن يسقط عليه… ربما سياتي يوم يطلب فيه من الأستاذ تقديم تقرير حول الأثر الجيوسياسي لشرح درس المبتدأ والخبر… فيا أيتها المنظومة المبجلة، نحتاج مدرسة بسيطة، بتدريس بسيط (صريحا كان أم كتمانا)، ودعوا قواميس البلاغات جانبا.. فالتعليم ينجح في الفصل، لا في التقرير التركيبي للزيارات الميدانية…
![]()
