بقلم :بنعيسى يوسفي – لعل ما يثير الاستغراب حقيقة ، بعدما تشكلت الأغلبية الحكومية من الأحزاب الأربعة كما هو معلوم ، الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ، هو أولا الطلاق البائن بين حزب الجرار وحزب الحمامة ، وكيف رمى هذا التحالف الرباعي بحزب الحمامة إلى المعارضة ، وهو الذي كان إلى عهد قريب حليف موثوق به ، وشريك استراتيجي في الحكومة السابقة ، ولا يرى نفسه إلا داخل التشكيلة الحكومية ، التي يبدو لا محالة أن الابتعاد عنها سيدخله في دائرة من الحداد والاكتئاب ، وما إلى ذلك من المواصفات وكلمات التعابير المدح والغزل التي كان الحزبان يتبادلانها في أيام العز والرخاء . فما الذي تغير حتى انقلبت الأمور إلى جفاء سياسي وانفرط عقد الحب والمودة الذي كان يجمعهما ، واهتزت جسوره ، واقتلعت جذوره من الأعماق ، هل يكون التسريب المعلوم هو النقطة التي أفاضت الكأس أم أن وراء الأكمة ما وراءها ؟ قليل من المتتبعين والمهتمين الذين ذهبوا في اتجاه القطيعة بين البام والجرار وعدم المشاركة في حكومة “المنصوري” ، فجل التخمينات والقراءات السياسية التي أعقبت إعلان نتائج تشريعيات 23 من سبتمبر كانت تسير في منحى الحفاظ على الأغلبية السابقة ، التي قيل عنها أنها كانت “منسجمة”، ومن الممكن تجاوز تلك الخلافات التي لم تعط لها الأهمية الكبيرة من طرف بعض السياسيين سواء من حزب الجرار أو حزب الحمامة ، وهناك من اعتبر ذلك سحابة صيف عابرة ،لا يمكن أن تؤثر على العلاقة الوطيدة التي تربط بين الحزبين ، وهذا يحدث في جميع المجتمعات ، ولا داعي لتضخيم الأمور وإعطائها أكثر مما تستحق ، وبالتالي لا يمكن أن يرقى كل ذلك إلى خصومة سياسية ، أو أن تصل المسألة إلى القطيعة وتحويل البوصلة في اتجاه آخر بسهولة ، لكن ظهر بعد الاستحقاقات الأخيرة ، أن القضية حقيقية وجدية وواقع وليست وهم ، وظهرت رغبة البام في التحالف مع أحزاب أخرى هي الطاغية ، وشهيته باتت مفتوحة للانفتاح على أحزاب أخرى ، ربما للدخول في تجربة سياسية جديدة هذه المرة مع أحزاب سياسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى مما قد يسهل العمل والانسجام الحكوميين أكثر وتيسير قنوات التواصل والحد من الخلافات والتعارضات التي كثيرا ما تعطل هذا العمل وبالتالي هدر الزمن السياسي الثمين الذي غالبا ما يؤدي المواطن ثمنه غاليا . إن ما يظهر من تخلي حزب الأصالة والمعاصرة عن حزب الحمامة هو ما يظهر من جبل الجليد العائم ، وما خفي كان أعظم ، على كل حال ، طويت مرحلة التجمع الوطني للأحرار ، وخرج من الباب الخلفي الضيق بحصيلة سياسية جد ضعيفة إلى أبعد الحدود ، بشهادة الجميع ، هي مرحلة للنسيان كما يقال .والكل يلمس هذ ا في كل القطاعات والمجالات ، وهذا ليس افتراء أو تجنيا ، فالأرقام تتحدث عن نفسها ، والمعارضة ما انفكت تكشفت عن الاختلالات الكثيرة التي شابت هذه المرحلة والفساد الذي بلغ ذروته مع الصفقات المشبوهة في ميادين متعددة ، وقس على ذّلك من أوجه الفساد الأخرى التي عرت عليها المعارضة والتي أوصلت البلاد إلى النفق المسدود .وهذا ما يجعل حقيقة هذه الأغلبية الحالية التي تشكلت للتو أمام مسؤولية عسيرة ، أعتقد أن أولى خطواتها هو تنظيف البيت الحكومي من الداخل وربط المسؤولية بالمحاسبة ، والشروع مباشرة في إرسال رسائل للمواطن يستشعر من خلالها أنه إزاء مرحلة سياسية جديدة يمكن أن تكون مغايرة ولو في حدودها الدنيا مع التي ودعها ، لأن هذا المواطن يخشى من الصدمة ، وله ذاكرة مريرة معها ، لكونه كلما رفع السقف عاليا وكان طموحه أكبر، ويتوسم في كل حكومة جديدة كل أشكال الانعتاق من الفقر و التهميش ، وتحقيق حد أدنى من العيش الكريم ، تكون المفاجأة صادمة ، ويساوره الحنين إلى التجربة السابقة ، وهذا هو الخطير في الممارسة السياسية ، إذ في الوقت الذي يكون من المفروض ومن المنطقي أن تحقق كل ولاية حكومية قفزة نوعية إلى الأمام وتحقيق مستوى متقدم على كافة الأصعدة تجعل المواطن يستشعر ذلك في الواقع ، يحصل أن يتم التراجع على العديد من الإنجازات والمكتسبات التي تكون قد تحققت ليس في الولاية التي تسبق ،بل حتى في الولايات السابقة ، وهذا يحدث ويحصل ، مما قد يطرح معه السؤال ، هل نتقدم إلى الأمام أن نعود القهقرى ؟ ولذلك يبدو من الضروري بالنسبة للحكومة الحالية أن تقوم أولا بتحصين وتمنيع بعض المكتسبات السابقة على قلتها ، والعمل على بلورة أخرى وفتح أوراش جديدة للدفع بعجلة التقدم إلى الأمام وليس العكس . وجه الاستغراب الثاني ، وإن كانت السياسة لا تؤمن حقيقة بالاستغراب ، بل هي التي تجسده في أبهى معانيه ، هو دخول ما يسمى بأحزاب الكتلة إلى حكومة البام ، وهذه مفاجأة أخرى تنضاف إلى المفاجآت الأخرى التي لا يأبى المشهد السياسي المغربي الا أن يتحفنا بها بين الفينة والأخرى ، فهل الأمر جاء صدفة أملته ظروف وملابسات المشاورات الحكومية التي جعلت هذه الأحزاب تجد نفسها وهي مصطفة وراء فاطمة الزهراء المنصوري أم أن المسألة مدروسة من البداية ، وبالتالي محاولة نفخ روح جديدة في هذه الأحزاب التي كانت تسمى إلى عهد قريب بأحزاب الكتلة والتي يظهر اليوم أنها لم تعد تحمل من الكتلة التاريخي إلا الإسم ؟ ولأن السياسة بالإضافة لكونها تجسد الاستغراب والمفاجآت الصادمة في الغالب ، فهي أيضا فن الكذب والمتناقضات ، فلا يمكن للتاريخ أن يمحو ما كان يقوله هؤلاء ” الزعماء” السياسيين في حق البام سواء بعد تأسيسه أو بعد مشاركته في الحكومة المنتهية ، فالذي يسمع أو يقرأ كل ما قيل في هذا الحزب من طرف هذه الأحزاب ، من الصعب أن يصدق اليوم أنهم صاروا حلفاء له ومن الدرجة الثانية ، صعب جدا أن تفهم كيف تدار السياسة في المغرب ، وكيف ترى الأحزاب السياسية العمل السياسي الحقيقي ، صحيح سوف يخرج زعماء هؤلاء الأحزاب لتقديم مبررات التي دفعتهم إلى المشاركة في هذه الحكومة ، ومهما كانت التبريرات وواقعيتها وصدقيتها ، لكن ذلك لا يمنع من طرح سؤال ما الذي يجمع البام بأحزاب ما يسمى بالكتلة ، سواء من الناحية المرجعية والإيديولوجية أو حتى من الناحية التاريخية ؟ يبدو أننا أمام مفهوم ضيق للسياسة ، لم يعد أحد يتحدث عن هذه المنطلقات الكبرى التي ينبني عليه العمل الحزبي والسياسي ، وصارت المصالح الضيقة هي المتحكمة ، والرغبة في الاستوزار هي الهاجس الذي يحكمها، فباستثناء حزب الاستقلال الذي يبدو أنه صالح لكل “زمان ومكان “، فإن الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ،مشاركتهما في هذه الحكومة ، هي فقط للحفاظ على البقاء و على ماء الوجه ليس الا، لكن الخوف كل الخوف أن تنقلب الآية ، حيث من الممكن أن يؤدي الحزبان ضريبة هذه المشاركة غاليا في الاستحقاقات المقبلة إذا لم يحققا الأهداف الحقيقية التي دخلا من أجلها إلى هذه الحكومة . وبالتالي التراجع أكثر إلى الوراء ، وهذا ممكن.
وصفوة القول فإن المستفيد الأكبر من هذا التحالف الحكومي في اعتقادي هو حزب الأصالة والمعاصرة لأنها أولا تخلصت من حزب الحمامة الذي ترسخت لديه قناعة أنه غير صالح لهذه المرحلة لأنه يجر وراءه ملفات سوداء في التدبير الحكومي السابق ، وبالتالي مكانه هو المعارضة إن كان يعرف أدبياتها ومقوماتها ، أم عليه أن يتعلم من جديد كيف يمكن إدارتها ، وثانيا الاعتماد على أحزاب وإن بدت ضعيفة أكثر مما كانت في السابق لكن يمكن أن تشكل قيمة مضافة للعمل الحكومي بحكم تجربتها السياسية وإرثها التاريخي ، وثالثا وهذ هو الأهم وهو إضفاء المزيد من المشروعية السياسية عليه ،تلك المشروعية التي تنازعها فيها الكثير من الأحزاب السياسية وبشكل خاص حزب العدالة والتنمية الذي لطالما ينعت هذا الحزب بالخطيئة أو الولادة المشوهة ، وبالتالي قيادة هذا الحزب للحكومة قيد التشكل واحتراما لروح الدستور ، ناهيك عن العديد من التطورات والتحولات الإيجابية التي عرفها هذا الحزب منذ ولادته إلى اليوم ، كل ذلك سيحد بشكل أو بآخر من خطاب الإقصاء المتبادل ، وسيتحول من دون شك إلى معارضة سياسية للبرنامج الحكومي والسياسات العمومية التي سينبري إليها هذا الحزب وأغلبيته .
![]()
