بقلم : ال عشاق –حين أعلن عن تشكيل حكومة المنصوري وعودة عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل، لم يكن الخبر مجرد تعديل حكومي عابر، فقد اعتبر بمثابة زلزال سياسي مصغر أعاد خلط الأوراق في العلاقة المتوترة أصلا بين السلطة التنفيذية وهيئات الدفاع. فبعد مخاض عسير ومعارك احتجاجية خاضها المحامون ضد مشاريع قوانين مسطرية مثيرة للجدل، كان يمني أصحاب البذل السوداء النفس بتغيير في الرؤية السياسية والتدبيرية للقطاع، غير أن تجديد الثقة في الوزير السابق جاء ليحمل دلالات قانونية وسياسية عميقة تتجاوز الأشخاص لتلامس جوهر الخيارات التشريعية للدولة.
وتعكس إعادة تعيين وهبي إصرار الأغلبية الحكومية على تبني خط إصلاحي جريء، أو هكذا تراهن عليه، بغض النظر عن كلفة الاحتقان الاجتماعي والمؤسساتي. إنها رسالة واضحة مفادها أن السياسة الجنائية والمدنية الحالية ليست صدفة أو اجتهادا شخصيا لوزير راحل، انما جزء من إستراتيجية حكومية مندرجة في إطار ورش إصلاح منظومة العدالة وتحديث ترسانتها القانونية. والتشبث بالمرجعية نفسها يعمق الهوة بين المقاربة التقنوقراطية للوزارة التي تنظر إلى القوانين من زاوية النجاعة الاقتصادية وسرعة البت، وبين المقاربة الحقوقية للمحامين التي تضع ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع فوق كل اعتبار.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الأشخاص انما في النصوص. فتعديلات مشاريع قوانين المسطرة المدنية والجنائية حملت في طياتها مقتضيات مست باختصاصات الدفاع وحصانة المهنة وشروط التقاضي، مما أثار حفيظة الجسم المهني الذي اعتبر أن بعض المقتضيات تشكل تراجعا عن مكتسبات حقوقية راكمتها العدالة المغربية لعقود. وعليه، فإن عودة الوزير بنفس الأجندة التشريعية تضع النصوص موضع اختبار دقيق، فهل ستتمسك الحكومة بصيغها المثيرة للجدل رغم جدار الرفض المهني، أم إن الضغط الميداني والبغلماني سيدفع نحو بلورة تسوية توافقية تعيد التوازن بين متطلبات النجاعة القضائية وحماية حقوق المتقاضين…؟
![]()
