بقلم : ال عشاق –يشكل إقليم الخميسات نموذجا صارخا للتناقض التنموي الذي تعاني منه بعض الحواضر والمناطق القروية في المغرب، فبالرغم من القرب الجغرافي من العاصمة الإدارية وقربه من محاور الطرق الرئيسية، إلا أن الإقليم يظل رهين لغز التنمية الغائبة. إن الحديث عن التنمية الشمولية في الاقليم لا ينفصل عن تشخيص الاختلالات الهيكلية التي تعيق إقلاع المنطقة، والتي تتوزع مسؤوليتها بين قصور الإدارة السياسية والإدارية، وغياب أدوار المجتمع المدني المسؤول والقادر على التأطير والمحاسبة.

تتجلى أزمة التنمية في الإقليم في تراجع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية مقارنة بالإمكانات الطبيعية والبشرية التي تتوفر عليها المنطقة. يعتمد إقليم الخميسات بشكل تقليدي على قطاع الفلاحة الذي يظل بدوره عرضة لتداعيات الجفاف وتغير المناخ، في ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية، كالصناعات التحويلية أو مناطق صناعية كبرى تجذب الاستثمارات وتوفر فرص العمل للشباب، مما يرفع معدلات البطالة ويغذي نزيف الهجرة الداخلية. إلى جانب ذلك تعاني العديد من الجماعات القروية التابعة للإقليم من العزلة وضعف شبكات الطرق والمسالك الرابطة، فضلا عن النقص الحاد في التجهيزات الأساسية كالماء الصالح للشرب والكهرباء في بعض الدواوير النائية. أما على مستوى الخدمات الاجتماعية، فتبرز أزمة قطاعي الصحة والتعليم والامن والاستثمار  كعائق رئيسي أمام أي رهان تنموي، حيث تفتقر المستشفيات الإقليمية والمستوصفات القروية للأطر الطبية والتجهيزات الكافية وتتفاقم مشكلة الهدر المدرسي.

تتحمل النخب السياسية والمجالس المنتخبة، إلى جانب الإدارة الترابية، الجزء الأكبر من المسؤولية في تردي الأوضاع التنموية بالمنطقة. تتعامل النخب المتعاقبة على تدبير الشأن المحلي مع التنمية بمنطق تدبير الأزمات اليومية والمناسباتية بدل الاشتغال على استراتيجيات بعيدة المدى تستشرف حاجيات المستقبل وتثمين المؤهلات المحلية للإقليم. كما تتسم العديد من المشاريع التنموية بالبطء الشديد في الإنجاز، وأحيانا بسوء التوجيه الذي يجعلها لا تلبي الانتظارات الحقيقية للساكنة، ما يعكس قصورا في آليات الرقابة ، ناهيك عن افتقار المشهد السياسي المحلي في كثير من الأحيان إلى الشجاعة في اتخاذ قرارات جريئة ضد الريع السياسي أو الجمود الإداري، مما يفقد المواطن الثقة في المؤسسات المنتخبة ويخلق حالة من العزوف السياسي المستمر.

لا يقتصر الخلل على المؤسسات الرسمية والسياسية فحسب، انما يمتد ليشمل الفاعل المدني الذي يفترض فيه أن يشكل القوة الدافعة للترافع والاقتراح والرقابة. ففي إقليم الخميسات، تعمل نسبة كبيرة من الجمعيات بمنطق الموسمية أو تقتصر على أنشطة إحسانية ظرفية، بعيدا عن الترافع المهني والمنظم حول القضايا الكبرى للتنمية كالصحة والتعليم والتشغيل والاستثمار والاصلاح الاداري. كما يعاني بعض النسيج الجمعوي من الهيمنة السياسية أو الولاءات الضيقة، مما يحوله من قوة اقتراحية ومستقلة تدافع عن مصالح الساكنة إلى مجرد امتداد لأجندات انتخابية معينة، يضاف إلى ذلك نقص الكفاءات التسييرية وغياب آليات التكوين والتدبير الإداري والمالي الحديث لدى عدد من الفاعلين المدنيين.

إن النهوض بإقليم الخميسات وإخراجه من دائرة التهميش التنموي يتطلب ثورة حقيقية في العقليات ومناهج التسيير، قوامها تفعيل مبدأ  فتح المجال للكوادر والاطر والكفاءات المتمكنة على مستوى تدبير الشأن المحلي والإقليمي، وخلق دينامية اقتصادية حقيقية عبر جلب الاستثمارات وتأهيل البنيات التحتية، وبناء مجتمع مدني قوي، مستقل ومسؤول يتجاوز منطق الاستفادة الظرفية إلى الترافع الاستراتيجي اليقظ. فتنمية  الاقليم ليست مستحيلة، انها رهينة بإرادة سياسية حقيقية تضع المواطن في صلب أي عملية إصلاح وتجعل من المصلحة العامة بوصلة لكل سياسة عمومية في الإقليم.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.