بقلم : ال عشاق –شهد العصر الحالي طفرة تكنولوجية واجتماعية غير مسبوقة، رافقها انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري. وسائط فتحت آفاقا رحبة لحرية الرأي والتعبير لكنها في المقابل حولت فضائياتها الرقمية إلى مسرح خصب لانتهاك الحياة الخاصة، وتبرير التشهير والإساءة للسمعة. وفي التشريع المغربي، يحظى الاعتبار الشخصي وسلامة الشرف والسمعة بحماية جنائية صارمة، تسعى إلى إيجاد توازن دقيق بين الحق الدستوري في التعبير وبين صيانة كرامة الأفراد وحرمة حياتهم الخاصة.
لا يخصص القانون الجنائي المغربي فصلا مستقلا يحمل عنوان التشهير بالمعنى الحرفي، انما تتوزع مقتضياته المرتبطة به بين نصوص القانون الجنائي وقانون الصحافة والنشر، إضافة إلى القانون المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي. ويقصد بالتشهير بصفة عامة إفشاء أو إذاعة وقائع غير صحيحة أو مختلقة تمس بشرف شخص معين أو اعتباره أو حياته الخاصة، بغرض الإساءة إليه أو التشهير به أمام العموم.
تتخذ جريمة التشهير صورا متعددة، وتتأسس جنائيا على عناصر أساسية تشمل الركن المادي الذي يتجلى في الفعل المرتكب، سواء عبر نشر صور شخصية دون إذن، أو نشر تسجيلات صوتية أو مرئية، أو اتهام شخص بأفعال شائنة، أو بث وقائع كاذبة بغرض النيل من سمعته. ويقع هذا الفعل عبر الصحافة الورقية، أو المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. أما الركن المعنوي أو القصد الجنائي، فيتمثل في اتجاه إرادة الجاني إلى الإساءة للضحية والمساس بشرفه أو حياته الخاصة مع علمه بأن ما يقوم به يلحق ضررا بالمجني عليه.
يتعامل المشرع المغربي بحزم مع جرائم التشهير، وتختلف العقوبات باختلاف الوسيلة المستعملة وصفة الضحية. ففي مقتضيات الفصل 447 مكرر وما يليه من القانون الجنائي، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة مالية كل من قام بنشر أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة بقصد المساس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم. كما شدد المشرع العقوبات إذا ارتكبت الأفعال ضد قاصرين، أو من طرف أزواج أو أصول أو فروع أو أشخاص لهم سلطة على الضحية. أما إذا تم ارتكاب التشهير أو القذف عبر إحدى وسائل النشر أو الصحافة الإلكترونية أو الورقية، فإن المتابعة تتم وفق مقتضيات قانون الصحافة والنشر، والتي تقرر عقوبات مالية رادعة وغرامات ثقيلة، إضافة إلى إمكانية الحكم بمصادرة الوسيلة المستعملة أو المنشورات المسيئة، مع إقرار حق الضحية في المطالبة بالتعويض المدني الجابر للضرر.
ورغم ترسانة القوانين الزجرية، تظل محاربة ظاهرة التشهير تواجه عدة إكراهات عملية، أبرزها طبيعة الفضاء الرقمي العابر للحدود حيث يلجأ بعض مرتكبي الأفعال إلى حسابات وهمية أو خوادم أجنبية للإفلات من المتابعة. يضاف إلى ذلك التردد الذي يبديه بعض الضحايا تجنبا لإثارة الانتباه للواقعة أو خوفا من تعقيدات الإجراءات. كما أن الفصل الدقيق بين النقد البناء وكشف ملفات الفساد وبين التشهير المجاني بالشرف يظل تحديا يمارسه القضاء المغربي بحذر عبر اجتهاداته القضائية. وتبرز هنا إشكالية حقوقية بالغة الأهمية تتمثل في كون تهم التشهير وقضاياه قد أصبحت في كثير من الأحيان تستغل من قبل جهات تعادي حرية التعبير لإسكات الأصوات المشاكسة والناشطين والصحفيين الذين يعملون على فضح ملفات الفساد وتجاوزات السلطة، مما يتحول معه القانون من أداة لحماية الحياة الخاصة للأفراد إلى وسيلة لتقييد النقاش العمومي وخنق حرية الرأي.
يمثل التشهير اعتداء صارخا على الكرامة الإنسانية والحق في السلامة النفسية والاعتبار الشخصي، ما أدركه المشرع المغربي من خلال بناء منظومة قانونية متكاملة تحمي الحياة الخاصة وتجرم الإساءة الرقمية والعلنية. ومع تزايد تأثير الفضاء الرقمي، يبقى الرهان قائما ليس فقط على النصوص الزجرية وحدها، انما على ضمان التطبيق العادل للقانون الذي يحمي الشرف دون أن يصفي الحسابات مع حرية التعبير، فضلا عن نشر الوعي الرقمي والأخلاقي، وتعزيز التربية الإعلامية لحماية المجتمعات من آفة الابتزاز والتشهير.
![]()
