بقلم : ال عشاق –لم يكن  اقليم الخميسات مجرد إقليم هادئ يتنفس هواية المشي على مهل بين ضفاف السدود وجمال الطبيعة،  انما  كان أيضا موطنا للصحافة الحقيقية التي ما تزال تقاوم وتهدم وتحاصر التفاهة والرداءة ، تالصحافة التي  تكتب بمداد التعب والعرق والأمانة، والتي يحمل مشعلها شرفاء خاضوا المعارك بالكلمة الصادقة والصورة الأمينة وحاربوا الفساد المستشري في اقبية مؤسسات الشعب .

في السنوات الأخيرة، وسبحان من يحيي العظام وهي رميم، استيقظ الساكنة على ما يشبه الظاهرة الفطرية بعد ليلة مطيرة من الجهل والأمية الفكرية ، ومن تحت ركام الرداءة، طلعت صراصير مدعية الصحافة والإعلام، أفقية الزحف، قزمة القامة والهامة، ظنت أن الصحافة كاميرا شاشة هاتف اذكي، وأن قلم الصحفي زر إرسال في صفحة فيسبوكية مجهولة المبتدأ والخبر والانتساب الى موقاع تهتم بالتجارة اكثر ما تهتم بالعمل الصحفي النبيل ….!

لقد شهد الإقليم أسرع عملية توزيع ألقاب وصفحات في تاريخ الإعلام ؛ إذ يكفي فقط  شراء  ميكروفون مزيف بخمسين درهما، ولبس قميصا زاهيا وبدلة وربطة عنق، لتحمل فورا صفحة صحفي…! أما المأساة الكبرى فتكمن في توزيع لقب (الزميل الصحفي)؛ إذ أصبح يوزع مجانا، كما توزع الملصقات الإشهارية في شوارع السوق الأسبوعي.

تجد الصفة الإعلامية  التي توزع على المتسولين والابقيتن والمرتزقة ، والتي يحملها نكرة لم يقرأ في حياته كتابا ولا حتى الصفحة الأخيرة من جريدة رسمية، يخاطب صرصورا آخر يشاركه الجهل نفسه قائلا: ( كما صرح لنا الزميل  الصحفي الكبير) … والزميل المذكور لا يعرف الفرق بين الفعل والفاعل، ولا بين الخبر الصحفي وعريضة الشكايات العشوائية…

فقاعات سريعة الانفجار ابتلي بها الاقليم  وصراصير الإعلام المندسة تتكاثر في العتمة وفي زوايا المصالح الضيقة. لا قضية تهمها، ولا خبر يخدم الساكنة يهمها، إنما همها الوحيد التصوير المباشر (لايف) من قلب المآسي، أو ممارسة التملق الرخيص والتزلف المفضوح لأطراف تعتقد أنها ستحميها من زوالها المحتوم.

إن ما شهده اقليم الخميسات ليس مجرد تطاول على مهنة نبيلة ومقدسة، انه “احتلال فطري” لساحة الإعلام، اذ  تحول الميدان إلى حلبة لأقزام يحاولون التطاول على العمالقة. لكن الأقزام، مهما ارتقوا على الكراسي البلاستيكية واستعملوا الهواتف الحديثة، يظلون أقزاما، والفقاعات مهما كبر حجمها، لا تملك إلا أن تنفجر لتعود مجرد هوء لا قيمة له.

إن التاريخ الإعلامي للإقليم العريق لن يذكر هؤلاء إلا كسطر ساخر في هامش الرداءة، وستظل الصحافة الحقيقية شرفا لا يناله إلا من يحترم الكلمة، والجمهور، وعقول الناس. أما الصراصير المندسة… فيكفيها محاولات الزحف تحت الأضواء، حتى تأتي المكنسة الحقيقية للإعلام الجاد والوعي المجتمعي لتعيد كل شيء إلى حجمه الطبيعي…

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.