بقلم : مريم امزيل-شهدت قبة البرلمان مؤخرا نقاشات ساخنة تعكس في عمقها تحولات في المشهد السياسي، حيث أصبحت قضايا الرأي العام ومطالب المواطنين تحتل صدارة الاهتمام الرقابي. وبرزت مداخلة النائبة البغلمانية ريم شباط عن حزب الحركة الشعبية كنموذج للعمل البغلماني المسؤول، إذ اتسمت بالطرح الواقعي والعقلاني، بعيدا عن الشعبوية أو المزايدات السياسية المجانية، مركزة على إشكالات ملحة تهم الحياة اليومية للمواطن ومستبقة إياها بقراءة هادئة للمستجدات الاجتماعية والاقتصادية وخاصة ملف الوزيرة المقالة( خيير) والتي تناولتها رئيسة الحكومة بطريقة غير لائقة وغير اخلاقية داخل البغلمان .
غير أن ما أثار استغراب المتتبعين والمهتمين بالشأن العام لم يكن مضمون الأسئلة أو عمق الملفات المطروحة، انما طبيعة التفاعل الحكومي معها. فقد جاء رد رئيس الحكومة، فاطمة المنصوري، محكوما بنبرة اندفاعية وتعسفية في التعاطي مع المؤسسة التشريعية ودورها الرقابي. تفاعت غلبت عليه الحدة والانفعال عوض الإنصات المؤسساتي وتقديم الأجوبة المقنعة، كشف عن عجز واضح في استيعاب أبجديات التدبير الحكومي الرصين الذي يقتضي صدرا رحبا وتقبلا للنقد البناء.
إن موقع رئاسة الحكومة يفرض بطبيعته سمات رجل الدولة، والقدرة على فصل العمل التنفيذي عن الحساسيات الحزبية أو الشخصية. فالتدبير الحكومي الناجح لا يعادي المعارضة، انما يتعامل معها كمرآة عاكسة لنبض الشارع وشريك أساسي في تجويد السياسات العمومية. فالمعارضة البناءة تقدم تشخيصا دقيقا واقتراحات عقلانية كما فعلت ريم شباط، وبذلك تقدم خدمة جليلة للأغلبية قبل غيرها، إذ تنبهها إلى الثغرات وتعضد مسار الإصلاح.
ويبدو جليا أن التجربة الحالية لرئاسة الحكومة، ومن خلال السلوك الانفعالي والردود الهجومية، ما زالت بحاجة إلى مسار طويل من النضج السياسي والتمرس المؤسساتي. إن فهم طبيعة دور رئيس الحكومة كمنسق للعمل الحكومي ومخاطب رئيسي للمؤسسات وللمعارضة يتطلب سنوات من المراس الطويل، والتخلي عن منطق الأغلبية الغاضبة لصالح منطق الحكامة التشاركية. فإدارة الشأن العام ليست حلبة لتسجيل المواقف الضيقة، انما مسؤولية جسيمة تختبر فيها الحكمة قبل السلطة، والقدرة على احتواء الاختلاف قبل محاصرته.
![]()
