بقلم : محمد الفقير –يحتل إقليم الخميسات موقعا استراتيجيا هاما بجهة الرباط سلا القنيطرة، ويزخر بمؤهلات بشرية وطبيعية هامة تؤهله ليكون قاطرة حقيقية للتنمية الجهوية. ورغم التعاقدات الوطنية الكبرى المتعلقة بالجهوية المتقدمة، وتحديث الإدارة العمومية، وتكريس سياسة القرب، إلا أن الواقع التنموي والإداري للإقليم يفرز مفارقة صارخة، إذ لا يزال الإصلاح الإداري يراوح مكانه، محكوما بدوامة من التعثرات البنيوية والوظيفية. فما هي الأسباب الكامنة وراء تعثر الإصلاح الإداري بإقليم الخميسات…؟ وكيف تتداخل العوامل السياسية والإدارية لتعطيل دينامية التغيي…ر؟

لا يمكن فصل الإدارة عن محيطها السياسي والانتخابي، ففي إقليم الخميسات طالما عانت المشهدية السياسية من هيمنة أنماط تدبير تقليدية تقوم على الولاءات الضيقة والتدبير الموسمي عوض التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. تتسم المجالس المنتخبة في كثير من الأحيان بضعف التنسيق وتغليب الحسابات السياسية الضيقة على مصلحة الصالح العام، فالوضع يفرز مجالس هشة غير قادرة على مواكبة الورش الوطني للإصلاح الإداري. كما يعاني جزء كبير من التمثيل السياسي من قصور في بلورة مشاريع بديلة وجلب الاستثمارات والاكتفاء بتدبير الوضع القائم، مما ينعكس سلباً على جودة المرافق العمومية الخاضعة للوصاية أو الشراكة مع المجالس المنتخبة.

على المستوى الإداري الصرف يعاني الإقليم من تركة ثقيلة تتمثل في مظاهر البيروقراطية التقليدية وضعف آليات الحكامة الجيدة. رغم التنصيص الدستوري والقانوني على نقل الاختصاصات، إلا أن المصالح الخارجية للوزارات بإقليم الخميسات تظل في كثير من الأحيان رهينة لقرارات مركزية بطيئة، مما يفقدها مرونة التدبير ويؤخر اتخاذ القرارات الملحة.

تسجل المصالح الإدارية والقطاعية باقليم الخميسات ضعفا ملحوظا في التنسيق البيني، وكل قطاع يشتغل في جزيرة معزولة، مما يخلق ازدواجية في الجهود ويبدد الموارد المالية والبشرية ويعطل مشاريع استراتيجية تهم البنيات التحتية والاستثمار والتشغيل. كما يعاني الإقليم أيضا من خصاص في الأطر الكفأة والمتخصصة في مجالات التدبير الحديث، فضلا عن سوء توزيع الموارد البشرية الحالية، اذ تتركز المصالح الكبرى في عاصمة الإقليم بينما تفتقر الجماعات القروية المجاورة لأبسط الكفاءات الإدارية التقنية والقانونية.

ينعكس الثنائي السياسي والإداري بشكل مباشر ومأساوي على التنمية المجالية باقليم الخميسات. فالإقليم الذي يغلب عليه الطابع القروي يعاني من تفاوتات صارخة بين الحاضرة والمجال القروي، فبطء مساطر معالجة ملفات الاستثمار يفرغ الإقليم من طاقاته الاقتصادية ويدفع بالشباب نحو الهجرة الداخلية نحو أقطاب أخرى كالرباط وتامسنا والقنيطرة، كما أن غياب آليات واضحة للشفافية ومحاربة الرشوة والزبونية في بعض المرافق يعزز شعور المواطن بالإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات.

إن تجاوز حالة الجمود الإداري والسياسي بإقليم الخميسات ضرورة ملحة تفرضها التحديات الراهنة. ولن يتحقق الإصلاح إلا عبر تخليق الحياة العامة  ومحاربة شتى مظاهر الريع الإداري والسياسي، والرقمنة وتبسيط المساطر وجعل الإدارة في خدمة المواطن والمستثمر عبر تعليق العمل بالبيروقراطية التقليدية، وتكوين وتأهيل الموارد البشرية عبر برامج تكوين مستمر تستهدف كلا من موظفي الإدارة الترابية ومنتخبي المجالس الجماعية، وتفعيل الشراكة الحقيقية بين السلطات العمومية والمجالس المنتخبة وفعاليات المجتمع المدني الجاد لصياغة عقد اجتماعي وتنموي جديد يعيد لاقليم الخميسات مكانتها المستحقة.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.