بقلم : محمد الفقير -تعرف مدينة تيفلت اقليم الخميسات في الآونة الأخيرة نقاشا محتدما وعموميا حادا يتقاطع فيه الاجتماعي بالسياسي وذلك على خلفية تنظيم مهرجان التبوريدة للفن الامازيغي الأصيل وتحول الحدث السنوي الذي كان بالأمس القريب مجرد احتفالية تراثية عابرة إلى مرآة عاكسة لتناقضات الرؤى التنموية ومجالا لتجاذبات حادة بين فريقين يقرآن الواقع من زاويتين مختلفتين تماما.
ينظر المؤيدون لتنظيم المهرجان من فعاليات جمعوية ومهتمين بالتراث وبعض الفاعلين المحليين إلى التبوريدة باعتبارها موروثا ثقافيا لافتا ورمزا شامخا للهوية المغربية عامة والهوية المحلية لمنطقة تيفلت خاصة حيث يرى التيار أن الفن الامازيغي ليس مجرد استعراض عابر انه تجسيد لثقافة الفروسية التي تربط الحاضر بالماضي وتلقن الأجيال الصاعدة قيما مرتبطة بالشجاعة والشهامة والارتباط بالأرض كما يعتبر المهرجان واجهة سياحية وثقافية تساهم في الإشعاع الإقليمي والجهوي لمدينة تيفلت مما يضعها على خريطة المهرجانات الكبرى ويجذب الزوار والسياح الداخليين إضافة إلى أن المدافعين عن التظاهرة يؤكدون أنها تنعش الدورة الاقتصادية المحلية حيث تستفيد منها القطاعات المرتبطة بالخدمات كالمطاعم والتجارة والفنادق والحرف اليدوية موفرة بذلك فرص شغل مؤقتة ومحركة للرواج التجاري بالمدينة.
في المقابل يرفع المنتقدون للمهرجان من فعاليات حقوقية وأصوات سياسية معارضة وشرائح واسعة من المواطنين شعار أولويات التنمية أولا معتبرين أن ضخ أموال طائلة في تظاهرة عابرة يمثل وجها من أوجه تدبير الشأن العام بمنطق احتفالي بعيد عن حاجيات الساكنة الحقيقية إذ يرى الطرف أن الدعم العمومي المرصود للمهرجان سواء من ميزانية الجماعة الترابية أو من جهات أخرى من الأجدر أن يتم توجيهه نحو قطاعات اجتماعية حيوية تعاني من خصاص مهول كالتعليم والصحة والبنية التحتية وخلق فضاءات للقرب والشباب فضلا عن غياب الأثر التنموي المستدام حيث يجادل المنتقدون بأن العوائد الاقتصادية للمهرجان موسمية وظرفية ولا تعكس استثمارا حقيقيا في بنية تحتية مستدامة من شأنها توفير فرص شغل قارة ومداخيل للشباب العاطل عن العمل بالمدينة مما يطرح تساؤلات إشكالية حول مدى عدالة الإنفاق العمومي واختلال الأولويات المجتمعية في ظل أزمات اجتماعية وارتفاع معدلات البطالة والهشاشة.
إن الانقسام الذي يخلقه مهرجان التبوريدة بتيفلت ليس مجرد اختلاف في الأذواق أو تقدير الفنون انه نقاش مجتمعي عميق حول فلسفة التنمية المحلية فمن جهة لا يمكن إنكار دور التراث في ترسيخ الانتماء وتحقيق الإشعاع الثقافي ومن جهة أخرى لا يمكن تجاوز الاشكال الاجتماعي والخصاص التنموي ولتحقيق التوازن المنشود يبدو أن الحل لا يكمن في الإلغاء الكلي للتراث أو تجاهله انما في عقلنة الإنفاق وإرساء حكامة جيدة تقوم على إشراك المواطنين وفعاليات المجتمع المدني في صياغة أولويات الميزانية الجماعية والبحث عن صيغ تمويل بديلة للمهرجانات لتقليل العبء على المال العام وربط التظاهرات الثقافية بمشاريع تنموية موازية تعود بالنفع المباشر والمستدام على ساكنة تيفلت.
ويظل مهرجان التبوريدة بمدينة تيفلت اقليم الخميسات اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الفاعلين المحليين على خلق توازن دقيق بين صون الهوية الثقافية والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية الملحة في أفق تحقيق تنمية محلية شاملة ومنصفة.
![]()
