بقلم : مريم امزيل –لا يمكن الحديث عن الشأن الثقافي في إقليم الخميسات بمنأى عن تفكيك تلك الثلاثية الجهنمية التي ربطت مصير المدينة بمتاهات البيروقراطية الإدارية والزبونية السياسية. فما يقدم اليوم على أنه مشهد ثقافي ليس سوى مسرحية عبثية متقنة الصياغة تتقاطع فيها خيوط القرار الإداري العقيم مع حسابات النخب السياسية الباحثة عن شرعية وهمية ليكون الضحية الأبدي المثقف الحقيقي والإنسان الزموري الذي يطالب بالتنمية والوعي فيجاب بالصخب والمهرجانات الموسمية.

على الواجهة الإدارية يعاني إقليم الخميسات من تجفيف ممنهج للبنيات التحتية الثقافية الحقيقية حيث تحولت دور الشباب والخزانات البلدية والمراكز السوسيوتقافية إلى هياكل إسمنتية مهجورة تعلوها أتربة النسيان و أفرغت من محتواها لتصبح مجرد مكاتب إدارية لتصريف الأعمال الروتينية. المأساة الإدارية تكمن في طريقة هندسة الدعم العمومي فعوض أن توجه الإدارة مقدرات التنمية نحو استراتيجيات أمدها طويل تبني الإنسان وتستثمر في التعليم والقراءة ومسرح الحي تحولت إلى مجرد شباك أوتوماتيكي لصرف الشيكات لمن يتقن لغة الملفات الورقية المطابقة للمواصفات الشكلية لا الجوهرية وغابت دفاتر التحملات الحقيقية التي تحاسب المدعمين على القيمة المضافة لبرامجهم فصارت الإدارة شريكا عن وعي أو بجهل في تحويل العمل الثقافي إلى صفقات موسمية تدار بمنطق الفواتير والتبريرات الحسابية لا بمنطق التنوير والبناء المجتمعي.

سياسيا جرى تدجين الفعل الثقافي واعتماده كأداة وظيفية في الحملات الانتخابية السابقة لأوانها وتعاملت النيابات والمجالس المنتخبة إقليمية ومحلية مع الثقافة باعتبارها فلولكلورا انتخابيا يستحضر عند الحاجة لإلهاء الجماهير وكسب الولاءات الرخيصة وبدل أن تتبنى النخبة السياسية مشروعا تنمويا يحترم عقول الساكنة ويجيب عن أسئلة الشباب الملحة في الشغل والتأطير فضلت شراء السلم الاجتماعي بالصخب والمهرجانات الاحتفالية الباهتة وأصبحت الثقافة في قاموس الفاعل السياسي المحلي عبارة عن يافطات عملاقة تحمل أسماء المانحين والداعمين ومنصة لخطابات فضفاضة تكرس التبعية وتفرغ الفعل السيادي من معناه الديمقراطي الحقيقي وتحول السياسي من خادم للشان العام إلى سمسار يسوق الوهم الثقافي لضمان خريطة أصوات موسمية.

وفي ظل الثنائي الطاحن البيروقراطي الإداري والانتخابوي السياسي كان لزاما أن ينحبس دور المثقف العضوي الحقيقي ذلك المثقف الذي يزعج السلطة بأسئلته النقدية ويحرج المجالس بصوته المستقل اذ تم إقصاؤه وتهميشه ومحاصرته اقتصاديا ورمزيا لئلا يفسد العرس الديموقراطي الثقافي المزعوم وفي الفراغ المفتعل برزت كائنات الاسترزاق الثقافي من وسائط ومقاولين يرتدون جبة الفاعلين الجمعويين وهدفهم الوحيد اقتناص الفتات من ميزانيات الدعم ولا علاقة لهم بالفكر أو الإبداع انهم يتقنون لعبة الرقص على الجراح الثقافية للإقليم وتجدهم بارعين في صياغة التقارير الوهمية والركض خلف الكواليس لإرضاء المسؤول أو ذاك السياسي محولين الثقافة إلى مجرد سلع رخيصة تباع وتشترى في سوق المزايدات الموسمية.

إن إنقاذ اقليم الخميسات من العبث الإداري والسياسي والثقافي يقتضي أكثر من أي وقت مضى قطيعة جذرية مع اقتصاد الريع الثقافي وإعادة الاعتبار للمثقف الحقيقي المستقل وللمؤسسات كفضاءات حية للتفكير والإنتاج لا مجرد ديكورات موسمية فما لم يتحرر القرار الثقافي من وصاية الحسابات السياسية والبيروقراطية الإدارية سيظل إقليم الخميسات يراوح مكانه يدور في حلقة مفرغة يرقص على جراحه بينما يتفرج سماسرة الدعم على جنازة الوعي بصمت مطبق.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.