بقلم : جواد الخطابي –تطرح قضية الأسطول العشوائي لعربات النقل المجرورة بالحيوانات ( الكوتشيات) بمدينة الخميسات، وما يرافقه من إزعاجات بيئية وصوتية بالغة الأثر، إشكالية معقدة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والإدارية والقانونية. وما استعداد المتضررين لتنظيم شكل احتجاجي أمام مقر عمالة الإقليم إلا مؤشر واضح على بلوغ الأزمة حدا يستدعي تحركا مؤسساتيا عاجلا لتجاوز المنطق التقليدي في تدبير المرافق والأنشطة المهنية داخل المجال الحضري.
يكفل الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، وكذا القانون للمواطنين الحق في العيش في بيئة سليمة ومتوازنة. إن الأضرار الناجمة عن انتشار الروائح الكريهة وتراكم النفايات العضوية والضجيج المتواصل تشكل مساسا صريحا بالحقوق المضمونة دستوريا. علاوة على ذلك، يحدد القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات الاختصاصات الذاتية والمشتركة للمجالس الجماعية، لاسيما ما يتعلق بالشرطة الإدارية الجماعية. وتنص مواد القانون صراحة على اختصاص رئيس المجلس الجماعي في اتخاذ القرارات التنظيمية الهادفة إلى ضمان السكينة العامة، والنظافة العمومية، وصحة البيئة، وتنظيم جولان وحركة المرور داخل الجماعة. فإن ترك النشاط دون تنظيم مجالي محدد يقع تحت باب التقصير في ممارسة الصلاحيات القانونية المخولة للسلطات المنتخبة.
وتبرز مسؤولية سلطات المراقبة والوصاية والممثلة في عمالة إقليم الخميسات. فالشكل الاحتجاجي المزمع تنظيمه أمام مقر العمالة يحمل دلالة إدارية شديدة الأهمية، انه نقل لملف النزاع من أروقة المجلس الجماعي إلى مستوى السلطة الإقليمية المسؤولة عن تنسيق المصالح الخارجية وضمان النظام العام بمفهومه الشامل أمنيا وصحيا وبيئيا. ويتطلب العلاج الإداري للظاهرة اعتماد مقاربة شمولية تتضمن إصدار قرارات تنظيمية عامة لتحديد مسارات ومواقف معتمدة ومجهزة لعربات الكوتشي بعيدا عن الأحياء السكنية والزوايا الضيقة، إضافة إلى تفعيل لجان النظافة والشرطة الإدارية لضبط المخالفات وإلزام أصحاب العربات بمعايير السلامة والنظافة، فضلا عن إعادة التخطيط المجالي بنقل الأنشطة إلى المحاور الفسيحة.
وتعكس الوضعية هشاشة في التعاطي مع ملفات الهيكلة والتحديث الترابي داخل الجماعة. فالنقل بواسطة الكوتشي وإن كان يحمل بعدا اجتماعيا واقتصاديا لفئة من أرباب العربات، إلا أن استمراره بشكله العشوائي يضر بالعدالة المجالية للساكنة المتضررة. إن صانع القرار المحلي والسياسي مطالب بموازنة الحقوق، بحيث لا يتم معالجة البعد الاجتماعي لأرباب الكوتشي على حساب حق الساكنة في الراحة والسكن اللائق، ما يتطلب تقديم بدائل تنموية ناجعة، سواء عبر إدماج مهني أو إعادة هيكلة القطاع ليصبح نشاطا مهيكلا يخدم التنمية ولا يشكل مصدر أرق للمواطنين.
إن انتقال المعركة من تقديم العرائض إلى الاحتجاج الميداني أمام مقر العمالة ينبه المؤسسات إلى ضرورة الانتقال من تدبير الأزمات بردود الفعل إلى استباقها بقرارات إدارية حازمة وسياسات ترابية عادلة تضمن كرامة الساكنة وهيبة القانون.

![]()
