بقلم :بنعيسى يوسفي – يعتقد الكثيرون أن تاريخ الأمم والشعوب هو تاريخ إنجازات ومعارك ، أوتاريخ وقائع وأحداث ، كيفما كانت طبيعتها ودرجة أهميتها ، سواء منها الي تؤرخ لأمجاد أو بطولات أو انتكاسات وارتكاسات ، أو حروب انتصرت فيها و أخرى اندحرت فيها ، أو كل أشكال الصمود والمواجهة في وجه التحرشات الخارجية ، أو الدفاع عن وحدة واستقلال الأوطان ، في محاولة لاختزال التاريخ في هكذا صورة ، و أنه لا يمكن أن نتمثَّله الا في هذا البعد ، أي أن الموروث التاريخي لا يتجسد الا في كل ما نحققه بالاحتكاك مع الخارج ، والمواجهة أو الصراع معه ، أو في تعاقب الدول وتولي هذا السلطان أو ذاك الملك أو السلطة ، أو التأريخ لكل عملية توسعية قامت بها هذه الدولة أو تلك في أوج قوتها وجبروتها ، هذا جزء مهم من التاريخ لا يمكن أن يختلف عليه اثنان ، ولا يمكن القفز عليه بأي حال من الأحوال ، وإنما لا يعكس مفهوم التاريخ الكلي والشمولي لأي أمة أو شعب ، فالتاريخ أكثر عمقا وأشد غورا من ذلك ، ويتجاوز كل هذه الأمور إلى آفاق أكثر رحابة واتساعا ، فهو منظومة متعددة الأبعاد ومتشعبة العناصر والمكونات ، وحصره فيما أشرنا إليه سابقا ، هو تقزيم له وإفراغه من أهم الأمور و التطورات والأحداث التي تقع على المستوى الداخلي و التي تكتسي أهمية قصوى في تشكيل معالم سياسية معينة لمرحلة من المراحل التاريخية ، وعليها تتأسس محطات جديدة تكون أكثر تقدما وتطورا من سابقتها على مستويات عدة ، بل يمكن القول أن منها من غيَّرت مجرى هذا التاريخ ، وأحدثت قطيعة عميقة مع ما كان سائدا في السابق على المستوى السياسي والحقوقي بالخصوص وما إلى ذلك ، على اعتبار أن أي تحول تاريخي يحدث في أي مجتمع يكون هذان المجالان هما اللذان تصلهما صدى هذا التحول أو هذا التغيير ، ويكون التأثير فيهما مباشرا ، وهذه القاعدة تكاد تكون عامة في جميع المجتمعات ، وتفضي غالبا إلى نفس النتائج ، يحدث أن يكون هناك انكماش أو تراجع بشكل من الأشكال على المكاسب السياسية والحقوقية التي تمت مراكمتها في لحظة من لحظات التاريخ الحاسمة والفارقة ، لكن عجلة التاريخ تتحرك، فسرعان ما يستعيد التاريخ زمام الأمور ويقفز قفزات نوعية أخرى إلى الأمام ، وما يتم فقدانه يمكن استعادته واسترجاعه ، وتجاوزه وتحقيق نتائج مهمة لم تكن في الحسبان، حسب درجة التعبئة ومنسوب الوعي والمناخ السائد في المجتمع ، سواء الثقافي أو السياسي أو الاجتماعي فيه ، الذي لا بد أن يكون مساعدا في تحقيق هذه القفزات .و كذا درجة الصمود والثبات على المبادئ والمواقف والمتطلبات . من هنا تظهر أهمية الأحداث التاريخية الداخلية في بناء المجتمع وتطويره و التأثير في مساره السياسي بالتحديد ومن تم باقي المجالات الأخرى لأن الأحداث التاريخية الداخلية هي البوصلة التي تحدد المسار أو الاتجاه الذي تأخذه الدولة ، وتحدد خارطة طريق لها ، فالمغرب مثلا الذي يهمنا في هذه الورقة ، وتجربته السياسية ووضعه السياسي والحقوقي الذي وصل إليه اليوم ، وهذا النضج السياسي الذي يعرفه رغم يعض النواقص التي تكتنفه أو بعض الشوائب التي تعتريه ، فإن ذلك لا يمنعنا من القول أن هناك تطور بمقياس من المقاييس ، أوبشكل من الأشكال . فهل أتى ذلك ، أو تمخض من الأحداث التي ربطته بالخارج واصطداماته معه في مراحل تاريخية متفرقة ، في إطار ما قد نسميه ” بالتاريخ الخارجي ” ، أم بالأحداث و المخاضات العسيرة الداخلية التي وقعت على مسار حقب زمنية متتالية ، وبشكل خاص منذ الاستقلال ، وصولا إلى سنوات السبعينات التي تعتبر مرحلة مفصلية وانعطافة حقيقية في مسار الدولة السياسي والحقوقي ؟
عرف المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم الكثير من الأحداث التاريخية المهمة التي لها ارتباط وثيق بالمجال السياسي بالخصوص ، وكلها ساهمت بقسط معين في تشكيل الصورة السياسية التي يعيشها المغرب اليوم ، وهي أحداث منها ما هو سار ومنها ما هو مؤلم حقا ، كما هو الحال عند جميع المجتمعات فوق هذه البسيطة بدرجات متفاوتة ، وإن كان في الحقيقة كل ما هو مؤلم هو الذي يؤثر في النفوس ويترك ندوبا غائرة فيها ، ويؤثرتأثيرا واضحا في سيرورة المجتمع ، أما كل ما هو سار فهو يعبر عن نفسه ويستمتع به الجميع وهو ملك لهم ، الأحداث المؤلمة التي مر منها المغرب والتي تشكل جزءا كبيرا من ذاكرته الحية ، هي أحداث كثيرة ومتنوعة ، لكن تبقى سنوات الرصاص أو الجمر كما يطلق عليها هي أقواها بامتياز ، وبدون منازع ، وهي أحداث داخلية تعبر عن سنوات حالكة وسوداء من التاريخ المغربي المعاصر، والتي رغم مرور سنوات كثيرة عليها الا أنها لا زالت جروحها لم تندمل بعد ، رغم أنها أولا تم طيها طيا نهائيا ، وعبرت الدولة عن التزامها الأخلاقي والسياسي عن عدم العودة إلى هذه السنوات التي اكتوى بلظاها العديد من الشخصيات والعديد من الأسر ، وثانيا لأنها مهدت للعديد من التحولات العميقة والجوهرية التي عرفها المغرب على المستوى السياسي والحقوقي بشكل خاص ، فهذه المرحلة مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر بدون شك أو ريب ، فالحديث عن الوضع السياسي والحقوقي قبل سنوات الرصاص وفي أثنائها ، لا يمكن مقارنته بالوضع السياسي والحقوقي بعده ، فرغم الألم كما أسلفنا الذكر الذي أحدثته هذه السنوات والتضحيات الجسام التي قدمتها العديد من الشخصيات في سبيل تحقيق الديموقراطية وتطوير الحقل السياسي والحقوقي بالمغرب ، الا أن على الأقل سمح ذلك بالدخول إلى عهد جديد ، عهد فرض على الدولة الانفتاح على القوى الحية والديموقراطية في المجتمع ، وتحديث الحقل السياسي ، إيذانا بالانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة ، والاهتمام أكثر بالشأن الحقوقي ، وبالتالي القطع مع السلوكيات والممارسات السياسية السابقة التي كانت تتسم بنوع من الاستبداد والتسلط والبيروقراطية . وهذا من مفارقات وغرائب التاريخ ، حيث من الممكن أن تبنى مرحلة جديدة في المسار السياسي لمجتمع من المجتمعات على معاناة ومأساة معينة ، قد تؤدي فيه فئة كبيرة من المجتمع الثمن غاليا ، بينما تجني ثمارها فئة أخرى لم تساهم قيد أنملة في ذلك ، أو فئة لم تعش تلك الأحداث ولا تعرف عنها شيئا ، لكن يبقى هذا من سنن التاريخ التي لا محيد عنها ، فكثير من الدول الديموقراطية الحالية ، لم تكن لتصل إلى هذا المستوى من الديموقراطية وحقوق الانسان لولا أنها خاضت نضالات وكفاحات كثيرة قد تصل إلى مستوى الثورات التي تقلب الموازين ، وتدفع بالتاريخ إلى السير في اتجاه مخالف تماما لما كان عليه سالفا ، وهذا ما حصل في المغرب لكن دون أن يرقى الأمر إلى مستوى الثورة ، وإن كانت بعض النوايا من طرف جهات عديدة كانت تسير في هذا الاتجاه في مرحلة من المراحل ، لكن لم تستطع الوصول إلى هذه الغاية لاعتبارات وظروف كثيرة . وتم إخماد كل محاولة من تلك المحاولات في مهدها . كانت هناك حركية ودينامية سياسية مختلفة الأهداف ، لكن الدولة استطاعت الإمساك بزمام الأمو بطريقة من الطرق ، وخلَّف ذلك ما خلَّف ، واليوم وبعد المصالحة التاريخية التي أطلقتها الدولة مع كل المتضررين وتم إنصاف الجميع في إطار ما سمي ب”الإنصاف والمصالحة”، والتي عُهد إلى لجنة خاصة تدبيرها ، وذلك لجبر الضرر والمكاشفة ، نستطيع القول أن المغرب قد تجاوز أخطاء الماضي وأسس لمرحلة جديدة بأسلوب تدبيري إيجابي، واستطاع استثمار ذلك استثمارا سياسيا جديرا بالاهتمام والتقدير ، وهذاما يدفعنا إلى القول في النهاية أن الأحداث التاريخية العظمى تلعب دورا مهما في الدفع بالمسار السياسي لكل مجتمع إلى الأمام والرقي به في مدارج التقدم السياسي بالخصوص ومنه بطبيعة الحال باقي المجالات الأخرى ، وبالنسبة للمغرب نؤكد أن كل القلاقل والأحداث السياسية التي عاشها على مدار الهزيع الأخير من القرن العشرين ساهمت بشكل كبيركما أومأنا إلى ذلك آنفا في تشكيل الصورة السياسية التي نراها اليوم والتي لا زال الأمل كبيرا في تطويرها وتثمينها في المستقبل.
![]()
