بقلم : ال عشاق –لا توجد عاصفة ولا زلزال ولا حتى مباراة حاسمة للمنتخب الوطني قادرة على تفريغ مقاعد الندوات الرسمية والمهرجانات الثقافية والاحتفالات الدينية والوطنية من جيش المطبلين والتابعين باقليم الخميسات كائنات عابرة للأزمنة والأنظمة وورثة الانبطاح في صلب الكراسي إنهم وجوه الموسم أو بتعبير أدق وجوه كل المواسم.
يوميا تطالع المتتبع للفضاء الازرق صور طابور من الوجوه المعتادة تجلس في الصفوف حالمة ساهمة تحضر الندوات أو اللقاءات أو التدشينات وغيرها كان هؤلاء الأبديين للحضور ولدوا في قلب القاعات لا تربطهم بالحياة الخارجية سوى اللقطات المتكررة التي تطالع بها الصحف وشاشات التلفزة مع كل إشراقة شمس.
عشرون سنة ولربما قفز بعضهم فوق الثلاثين سنة من الصمود الأسطوري وهم يمارسون طقسا مقدسا واحدا يتمثل في التزاحم على الصفوف الأمامية. الوصول إلى الصفوف ليس عملية عشوائية اته علم قائم بذاته يحتاج إلى خبرة متراكمة في فنون البرنقة والتمجيد والانبطاح فهؤلاء الأبطال لا يعنيهم عنوان الندوة أبدا سواء كانت عن اقتصاد المعرفة أو عن تربية النحل أو حتى عن تأثر السرديات الرقمية فالمضمون سيان تماما والمهم البروتوكول والكاميرا التي ستلتقط الزاوية اليمنى لوجوههم العابسة وهم يومئون برؤوسهم موافقة على كلام لم يسمعوه أو نائمون بفتحتي عيون موصورتين حرصا على إيهام المحاضر بأنهم مندمجون حتى التماهي.
حين تقترب منهم تشعر برائحة التاريخ الإداري النافذة وتجدهم يحملون نفس الدفاتر الممزقة ونفس الأقلام الجافة التي لم يكتبوا بها حرفا منذ مؤتمر الحزب أو اتحاد الاتحادات وظيفتهم الوحيدة في الكون التصفيق الذي لا يعد تعبيرا عن إعجاب انه لغة جسد تشعر المسؤول الجالس على المنصة بأنه إله صغير يوزع الحكمة فوق الرؤوس وما إن ينهي المحاضر عبارته الأخيرة حتى تجد أول أولئك الوجوه ينهض بحماس مصطنع ليكون أول المصفقين وكأن صوته الذي سيغير خريطة العالم الجيوسياسية.
العجيب في أمر هؤلاء أنهم لا يتقاعدون فالوزراء يرحلون والولاة والعمال يعزلون ومدراء المؤسسات يحالون على التقاعد أو يطردون في ظروف غامضة لكن وجوه الاحتفالات باقية يغيرون جلودهم كما تغير الحيات قشورها يبتسمون للمسؤول الجديد بنفس الحماس الذي ودعوا به المسؤول القديم وبنفس الشعارات الرنانة التي رددها آباؤهم الروحانيون قبل أن يخترع الإنترنت. ترى أحدهم في عيد الاستقلال يلوح بالعلم وتراه في عيد العرش يصفق وتراه في ندوة حول الشفافية ومحاربة الريع جالسا في الصف الأول يرتدي بدلة رسمية تذكرنا بموضة تسعينيات القرن الماضي وهو في نفس الوقت رمز حي لكل أشكال الريع.
حين يغيب أحدهم لظرف قاهر كأن يكون في زيارة عائلية أو يعاني من وعكة صحية طفيفة يصاب المنظمون بالهلع فمن سيملا الفراغ البصري للكاميرات ومن سيأكل فطائر الاستراحة المخصصة للشخصيات الهامة قبل وصول الضيوف الحقيقيين ومن سيطلق زفرات الإعجاب المفتعلة في وجه الصحفيين الحقيقيين.
والسؤال الأكبر الذي يؤرق مضاجع الفلاسفة والباحثين في علم الاجتماع الكلاسيكي حين ينقرض هؤلاء من سيملا الكراسي وهل ستترك المقاعد في القاعات خاوية تعوي فيها رياح العبث أم ستضطر إدارات البروتوكول إلى الاستعانة بدمى من الورق المقوى أو روبوتات ذكية تبرمج على التصفيق كل عشر دقائق أم أن الطبيعة لا توظف فراغا وسيظهر لنا جيل جديد من المداحين الرقميين الذين يتعلمون فنون التزاحم في معاهد عليا متخصصة في النفاق المؤسساتي.
حتى ذلك الحين سيظل هؤلاء الأبطال المجهولون/ المعروفون يزينون واجهات الصور الرسمية يحرسون الكراسي كأنها ميراث آبائهم يصفقون للريح ويرفعون شعارات البرنقة الخالدة عاش من خطط وعاش من صفق وعاش من أكل الفطائر في الكواليس.
![]()
