بقلم : ال عشاق –القراءة المتأنية للمشهد السياسي والمؤسساتي بإقليم الخميسات، يبرز جليا حجم الهوة الفاصلة بين الخطاب الرسمي الداعي إلى التحديث والتنمية، والواقع الميداني المطبوع بالجمود والتردد. إن التحولات التي شهدتها الساحة السياسية مؤخرا، ودخول وجوه وفاعلين جدد بمنظورات تدبيرية مغايرة، ليسوا مجرد أرقام عابرة في معادلة الانتخابات، انهم مرآة عاكسة لأزمة أعمق تتعلق بمدى قدرة المؤسسة العاملية على مواكبة التحولات الطفيفة، والتخلص من إرث تدبيري شاخ ولم يعد قادرا على الإنتاج أو الاستجابة لانتظارات الساكنة.

لطالما شكلت عمالة اقليم  الخميسات محطة لاختبار مدى نجاعة السياسات العمومية في الإقليم، غير أن الممارسات أثبتت مرارا أن المقاربة الإدارية المعتمدة ظلت رهينة آليات تقليدية قائمة على التسيير الظرفي واحتواء الأزمات بدل استباقها. ومع بروز فاعلين سياسيين واقتصاديين جدد يمتلكون رؤى مختلفة في الترافع والتدبير، اصطدم النفس الجديد بجدار ثقيل من البيروقراطية الإدارية. فعوض أن تلعب المؤسسة العاملية دور المحفز والموجه لتطوير النخب المحلية وتأطيرها، بدا أن هناك إصرارا على إعادة إنتاج نفس القوالب الجاهزة التي أثبتت فشلها المتكرر في الدفع بعجلة التنمية الحقيقية نحو الأمام، مما أدى إلى تكريس حالة من الاحتقان الصامت وفقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة والمصالح المعنية على حد سواء.

إن التغيير الحقيقي على مستوى التدبير الترابي لا يتأتى فقط بتغيير الواجهات السياسية أو الوجوه المنتخبة، انما  يستوجب بالضرورة تجديد النخبة الإدارية الموازية القادرة على التخطيط والتنفيذ الخلاق. وهنا يبرز الإشكال الحقيقي المتمثل في محدودية الموارد البشرية المؤهلة والقادرة على التفاعل مع الرهانات التنموية الجديدة، فكثير من المصالح الحساسة داخل دواليب الإقليم لا تزال تعاني من ركود هيكلي وغياب للجرأة في اتخاذ القرار، واستمرار لمنطق تصريف الأعمال بدل صناعة المبادرة. فالشح في الكفاءات المجددة يجعل أي رهان على إحداث قطيعة مع الممارسات السابقة أمرا بالغ الصعوبة، ويحكم على كل المشاريع الكبرى بالبقاء حبرا على ورق في انتظار معجزة إدارية قد لا تاتي أبدا.

لم يعد مسموحا في إقليم يعاني من خصاص تنموي حاد وتهميش بنيوي، الاكتفاء بأدوار تقليدية تقتصر على تدبير التوازنات السياسية الضيقة، أو مراقبة الاحتجاجات والتدخل في آخر لحظة لإطفاء الحرائق الظرفية. المطلوب من المسؤول الأول على رأس الإقليم، وأمام المخاض السياسي المتسارع الشروع في جراحة عميقة لإصلاح البنيات الداخلية للإدارة الترابية، عبر قطع دابر الزبونية في توزيع الامتيازات والمصالح الضيقة، والانفتاح الفعلي على الكفاءات الحقيقية بعيدا عن منطق الولاءات والأعراف البالية، وجعل الإدارة في خدمة المستثمر والمواطن البسيط لا في خدمة الهاجس الأمني والضبطي البحت الذي أثبت محدوديته.

إن رهان التغيير في إقليم الخميسات ليس مجرد رفاهية سياسية أو نقاشا نخبويا عابرا، انه ضرورة ملحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من رصيد الثقة المتآكل بين المواطن والمؤسسات. فإذا كانت الإرادة السياسية العليا تطمح فعلا إلى تكريس مغرب الجهوية المتقدمة والحياد الإيجابي للإدارة، فإن ذلك يظل منقوصا ما لم تكن هناك إرادة محلية صلبة لتطهير (الكراج) الإداري من العناصر البالية، واستبدالها برؤية حديثة تضع التنمية المحلية فوق كل اعتبار، وتمنح الفرصة للجميع للمساهمة في بناء مستقبل إقليم يستحق الأفضل بدل البقاء رهينة لحسابات ضيقة تجاوزها الزمن.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.