بقلم : جواد الخطابي– إذا أردت أن تفهم نظرية الخلطة السرية في تدبير الشأن الثقافي بمدينة الخميسات، فلا داعي لتبديد الوقت في قراءة كتب الإدارة الحديثة أو استشارة خبراء التنمية المستدامة، ما تحتاجه حجز مقعد في الصف الأمامي لأي مهرجان محلي بالمدينة.ستكتشف أن السيناريو مكتوب بحبر قديم، والمخرج واحد، والممثلون عفا عنهم الزمن وأكل الدهر على وجوههم وشرب، لكنهم ما زالوا يصرون على أداء نفس الأدوار الركيكة بنفس النبرة النشاز. وكالعادة، يعود إلينا مهرجان الخميسات بحلته المعهودة، نفس الأوراق التي حرقت ألف مرة، نفس الكراسي  التي تشهد على صمت أهل الكهف السياسي، والأهم من ذلك كله، نفس الوجوه  التي ألفت الاستفادة من كعكة المال العام كأنها إرث شرعي مسجل.

 تدخل إلى ساحة المهرجان فتكاد تظن أنك تسافر عبر الزمن إلى الوراء بعشرين سنة. نفس الوجوه التي استقبلت المهرجانات الأول،تستقبل مهرجانات اليوم، وربما نفسها التي ستقص شريط الافتتاح في احتفالات القرن القادم. يبدو أن هؤلاء المرابطين الجدد على تخوم الميزانيات العمومية يمتلكون حصانة أبدية ضد الشيخوخة الإدارية والسياسية. لا أحد يجرؤ على سؤالهم، أما زلتم هنا…؟ فالأمر أشبه بموظف شبح قرر أن يتحول إلى أيقونة ثقافية تصرف لها الشيكات بانتظام كلما حل موسم فولكلور . السر بالطبع ليس في عبقريتهم الفنية أو إسهاماتهم الجبارة في إغناء المشهد الثقافي الوطني، انه في  قربهم الحميمي من الأغلبية الانتفاعية. إنهم أسياد اللعبة الحزبوية الضيقة، يعرفون من أين تؤكل كتف الدعم العمومي، ومتى يصفقون في الوقت المناسب، وكيف يديرون دفة الولاءات لصالح من يدفع أكثر ومن يغض الطرف أطول.

وبعيدا عن سخرية الوجوه المستهلكة، يطرح سؤال جوهري بإلحاح ، هل أقفرت مدينة الخميسات فعلا من الطاقات والمواهب حتى نضطر لاستيراد أو تدوير نفس الاسطوانات المشروخة….؟ هل خلت عاصمة زمور حقا من الشباب المبدعين، والفرق الفلكلوية الأصيلة، والمغنين المحليين الذين يملكون أصواتا تحرك الجبال وتنبض بحرارة الأرض…؟

الخميسات ولادة، والخميسات تضج بالمواهب والكنوز الفنية الدفينة… لكن بؤس التدبير ومقصلة الزبونية الفنية هما اللذان فرضا القحط المصطنع. فالمدينة لم تفقر فنيا، بل أفقرت مقصدا من طرف لجان البرغماتية والمصالح الضيقة التي تخاف من الوجه الجديد ومن الصوت الشاب الذي قد يكسر طوق التعتيم. الصوت الشاب مزعج، إنه يطرح أسئلة، ولا يعرف كيف ينحني أمام حيتان الريع الفلكلوري، كما أنه لا يتقن لغة التواطؤ التي يتكلم بها المخضرمون في كواليس الصفقات.

في النهاية يظل مهرجان الخميسات مرآة عاكسة لواقع سياسي واجتماعي مترهل، مهرجان يراد له أن يلهي المواطن ويسدل الستار على قضايا التنمية الحقيقية، بينما تصرف الملايين على إيقاع رقصات بائسة ووجوه أدمنت على اقتسام الغنائم. فإلى متى يظل المال العام رهينة في أيدي من لا يحسنون سوى تدوير الفراغ…؟ ومتى تشرع أبواب الخميسات أمام فنانيها الحقيقيين ليعيدوا للمدينة ألقها الذي تم تدميره ببطء وتحت الأضواء الكاشفة…؟ وحتى ذلك الحين.. استمتعوا بالعرض، فالممثلون هم أنفسهم، والمسرحية قديمة، والدفع دائما من جيب المواطن المغلوب على امره.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.