بقلم : ال عشاق -يحسب لإقليم الخميسات تاريخيا أنه شكل خزانا نضاليا وحضنا لدينامية ثقافية وفكرية وسياسية متميزة، إلا أنه يعيش اليوم على وقع مفارقة عجيبة، فبقدر ما تتكاثر الإطارات الجمعوية وتتوالى المحطات الانتخابية، بقدر ما تتسع هوة الفراغ التأطيري وتتراجع حرارة الفعل الثقافي والسياسي. فالتراجع ليس مجرد صدفة عابرة، انه نتيجة تراكمات بنيوية واختلالات عميقة جعلت العمل الجمعوي والسياسي والثقافي في الإقليم يراوح مكانه وينكفئ نحو أدوار بهتت معالمها وتلاشت فعاليتها بسبب دخول الجهلة والمرتزقة والطابور الخامس للسلطة الى المجال.
في العقود السابقة يعد العمل الجمعوي بإقليم الخميسات مدرسة حقيقية للتنشئة الاجتماعية والسياسية ومشتلا للطاقات التي تؤطر الشباب وتدافع عن قضايا الساكنة. بمرور السنين ونتيجة انسحاب احزاب الوطني والديمقراطي تعرض المشهد لعملية تمييع ممنهجة ومفروضة من طرف عدة متغيرات، إذ تحولت نسبة كبيرة من الجمعيات إلى دكاكين موسمية لا تظهر إلا مع اقتراب المواعيد الانتخابية أو عند رصد الدعم العمومي لتنطفئ شعلتها فور توزيع الفتات، غائبة عن أدوارها الأساسية في القرب والترافع الحقيقي.
كما ساهم هيمنة منطق العائلة والصديق وشيوخ الريع الجمعوي على تسيير عدد من التنظيمات في نفور الكفاءات والشباب وتحويل العمل المدني إلى محميات ضيقة تدار بعيدا عن مفاهيم الحكامة والشفافية، في الوقت الذي عجزت فيه غالبية الإطارات عن مواكبة التحولات الرقمية والحقوقية مكتفية بأنشطة فولكلورية لا ترقى لتطلعات جيل جديد يبحث عن مبادرات ذات أثر تنموي مستدام.
وعلى الصعيد السياسي يعاني إقليم الخميسات من أزمة ثقة حادة بين المواطن والمنتخب. فالأحزاب السياسية التي يفترض فيها أن تكون حاضنات للتأطير وصناعة النخب، تحولت في الغالب إلى لجان موسمية لا تكتسي طابع الحياة إلا لأسابيع قليلة أثناء الاستحقاقات الانتخابية. فغابت الندوات الفكرية واللقاءات التواصلية الجادة من المقرات الحزبية وعوضت بالزبونية وصراع الكواليس من أجل التزكيات والمصالح الضيقة، مما أفرز نخبا ضعيفة التأثير لا تملك القدرة على الترافع على قضايا الإقليم الكبرى كالبطالة الهيكلية والعزلة المجالية وهشاشة البنيات التحتية.
أما الشأن الثقافي فيكفي إلقاء نظرة على البنيات التحتية المتهالكة أو المغلقة في وجه المبدعين بالإقليم لندرك حجم التهميش. فاقليم الخميسات الذي أنجب أسماء وازنة في الفكر والأدب والفن تعيش على وقع فراغ ثقافي قاتل يتجلى في غياب المهرجانات الجادة وتهميش دور الشباب وجمود المجالس المنتخبة في دعم الأنشطة الفكرية الكبرى، عوامل حاصرت المثقفين وجعلتهم في حالة اغتراب داخلي مستمر.
إن تشخيص علة التراجع بإقليم الخميسات يقودنا إلى الوقوف عند محددات رئيسية تتمثل في العزلة الاقتصادية والاجتماعية وتفشي البطالة وهجرة الكفاءات الشابة نحو المدن الكبرى، فضلا عن تدجين الأصوات الحرة ولجم المبادرات المستقلة بل ومحاصرتها بالانتهازيين والمرتزقة، وضعف التنسيق الجاد بين السلطات المحلية والمجالس المنتخبة والفعاليات المدنية.
إن النهوض بإقليم الخميسات واستعادة دوره الريادي سياسيا وثقافيا وجمعويا يتطلب ثورة هادئة تقوم على إعادة الاعتبار للمصداقية والكفاءة داخل التنظيمات الحزبية والجمعوية، وفتح الفضاءات العمومية ودور الشباب والمراكز الثقافية أمام الشباب دون قيود أو إقصاء، وإرساء حكامة جادة في توزيع الدعم العمومي لكي يوجه نحو المشاريع ذات الأثر الحقيقي وليس لإرضاء الولاءات الانتخابية. فالإقليم لا يعاني فقرا في الطاقات أو الرجال والنساء الأحرار، بقدر ما يعاني من تدبير عقيم أفرغ السياسة والثقافة والعمل المدني من جوهرها النبيل وجعلها تسبح في ركود مقلق يستوجب التنبيه والمعالجة.
![]()
