بقلم : ال عشاق –هناك مدن تئن تحت وطأة التاريخ، ومدن تبكي على رصيف التهميش، أما مدينة الخميسات، فتحولت بقدرة قادر إلى ستوديو ضخم لبرنامج الكاميرا الخفية، لكن دون طاقم تصوير ولا مخرج يرفع الستار. فعندما قرر أهل الكلمة الحقيقية، واليراع الرصين، والفكر المستنير أن يأخذوا استراحة أبدية أو ينسحبوا في صمت الكبار، حدث ما لم يكن في الحسبان. انفتح باب القفص على مصراعيه، فخرجت الفقاقيع من كل حفرة، وتناسل المرتزقة كأنهم نوع نادر من الفطر الموسمي الذي ينمو على أعتاب الفراغ.
ولم تقف القصة عند حدود الثقافة والإعلام، اكتملت الصورة حين توارى السياسيون والنقابيون عن المشهد تماما، حتى لم نعد نسمع عن وقفات احتجاجية، ولا شعارات تفضح الفساد والارتشاء، ولا حتى بيانات باهتة ترفع عتبة التنديد. تحولت الساحات التي كانت تهتز يوما بأصوات الغضب والمواقف الحماسية إلى صحراء قاحلة لا يمر بها إلا عابر سبيل يبحث عن ظل شجرة. غاب الصخب الحقيقي وحلت محله زغاريد مزيفة يطلقها أتباع الجوقة ممن لا يتقنون سوى التصفيق في الوقت الضائع وتلميع وجه الفراغ، بينما أصبحت قضايا المدينة المفصلية تعالج بالصمت المريب والابتسامات البلورية أمام الكاميرات.
لم تعد الخميسات المدينة التي تنجب الأسماء التي تهز الصالونات، أصبحت مقرا دائما لكائنات غريبة تطفو على السطح بلا سابق إنذار. يستيقظ أحدهم صباحا ليقرر أنه مفكر استراتيجي، فيلقي محاضرات عن غزو العالم من شارع محمد الخامس رغم عجزه عن تدبير سعر فنجان قهوة سوداء، وينصب آخر نفسه خبيرا استقصائيا يحمل هاتفا برخيص الثمن ليقف أمام حفرة في الشارع ويصرخ بصوت درامي بحثا عن حصد الإعجابات التي تضمن له دعوة مجانية لحفل عشاء في افتتاح محل سندويتشات.
أما أبواق الدعاية، فقد أتقنوا فن الرقص على كل الحبال والسباحة في المياه الضحلة. تجدهم في الصباح يمدحون المطر لأنه سقط، وفي المساء يشتمونه لأنه تسبب في بركة ماء، وهم أول الحاضرين في المنصات ليوزعوا المديح المجاني لكل من يمنحهم صك اعتراف بأنهم كتاب عظام أو مناضلون في جبهة الدفاع عن الهواء.
إنها مسرحية بلا نص وبلا إخراج، غاب عنها الفاعل السياسي والنقابي الصادق، وتوارى فيها المثقف والمبدع والمصلح خجلا من تفاهة العرض، فتربع على عرش المشهد أولئك الذين يملكون جدارة واحدة القدرة الخارقة على الكلام بلا معنى، والكتابة بلا فكرة، والصمت أمام الفساد والارتشاء وكأنه خيار استراتيجي. تواصل الخميسات الملهاة الصامتة، وتبكي على أطلال زمن كان فيه للكلمة وزن، وللاحتجاج طعم، وللموقف النبيل رهبة تشيب لها أصابع المفسدين.
![]()
