بقلم : جواد الخطابي –شكل قرار إعفاء الوزيرة المنتدبة ماديحة خيير، بطلب من رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري وموافقة المؤسسة الملكية عقب استحضار معطيات وملفات قديمة ترتبط بمسارها، حدثا سياسيا بارزا يحمل في أبعاده دلالات متعددة تتجاوز حدود الواقعة الفردية لتلامس طبيعة الممارسة السياسية وآليات إدارة الشأن العام. إن التفاعل السريع مع المعطيات والمبادرة إلى إبعاد المعنية بالأمر يعكسان رغبة صريحة في حماية الصورة السياسية للحكومة، وأظهر القرار حرصا على عدم التقليل من شأن الشبهات التي قد تمس بجدية الجهاز التنفيذي في مراحله الأولى. ويبرز القرار الدور التنفيذي الدستوري لرئاسة الحكومة التي سارعت إلى اقتراح الإعفاء لمنع تآكل الرصيد السياسي وتفادي الارتهان لأزمات جانبية، مما يستجيب بشكل مباشر مع نبض الشارع والرصد الصحفي الذي أضحى مكلفا ومؤثرا في صناعة القرار.
وفي المقابل يطرح السؤال حول كيفية عبور المعطيات والملفات دون تسجيل تدقيق شافي قبل العرض على المؤسسة الملكية يكشف عن ثغرات واضحة في مساطر انتقاء النخب وترشيحها، إذ يظهر أن المفاوضات السياسية والمحاصصة بين مكونات الأغلبية تسير أحيانا بسرعات قياسية تركز على السير الذاتية الجاهزة والتوازنات الحزبية الداخلية دون التعمق في التحريات الشاملة حول المسارات السابقة للمترشحين. كما أن آليات التدقيق والفحص المسبق قد تقتصر في كثير من الأحيان على المعطيات الرسمية المباشرة والمسارات الجنائية أو الإدارية النشطة، مما يجعل الملفات القديمة أو الشبهات التاريخية متوارية عن أنظمة الفحص الاستعلاماتي الروتيني إلى أن يعاد استحضارها عبر التفتيش الإعلامي أو الصراعات السياسية.
إن الإعفاء بقدر ما يعتبر تصحيحا صارما للوضعية وتفاديا لإطالة عمر الأزمة، فإنه يشكل إنذارا صريحا للأحزاب والمؤسسات المعنية بضرورة مراجعة وإعادة هيكلة آليات الفحص الذاتي والتمحيص المستفيض للمترشحين قبل رفع القوائم، صونا لهيبة المناصب الحكومية وتجنبا لإحراج المؤسسات الرسمية للدولة.
وينطوي الإعفاء السريع على تفعيل مباشر وصريح لمقتضيات الفصل 47 من الدستور، والذي يعطي لرئيس الحكومة الحق في تقديم طلب للملك بإعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الفريق الحكومي. ويعكس التحرك المباشر استثمارا ناجعا من رئاسة الحكومة لصلاحياتها التنظيمية لحماية الاستقرار المؤسساتي للأنشطة الحكومية دون انتظار تراكم التداعيات القضائية أو السياسية.
غير أن التعاطي يكشف في الآن ذاته عن ثغرة تشاركية في مرحلة التحقق والمراجعة المسبقة، إذ تظل مرحلة التدقيق في أهلية المترشحين قبل التعيين الرسمي مفتقرة إلى مساطر فحص قانونية متكاملة ومؤطرة بنصوص واضحة. فالمنظومة الحالية تعتمد بشكل أساسي على المراجعات الاعتيادية التي تقتصر على القضايا المفتوحة أو الأحكام النهائية، مما يجعل الاستحضار المفاجئ لمعطيات تاريخية ينتهي بإحراج المؤسسة الملكية التي يصدر التعيين بظهير شريف بناء على ترشيحات وتزكيات المكونات السياسية.
وعلى مستوى التوازنات الحزبية داخل الائتلاف الحكومي، فالإعفاء المبكر يضع العلاقة بين مكونات التحالف أمام امتحان حقيقي يتعلق بنمط تدبير الأزمات وصيانة الاستقرار السياسي. فالسرعة التي جاء بها طلب الإعفاء قد تقرأ كرسالة صارمة من رئيسة الحكومة مفادها عدم التساهل مع أي عبء سياسي قد يمس بمصداقية تشكيلتها، غير أن ذلك يولد حذرا وتوترا مع الحزب الممثل للوزيرة المعنية. فسحب التزكية أو التخلي عن مقعد وزاري قد يفتح بابا للمطالبة بالتعويض وتعديل المحاصصة الحزبية لحفظ التوازن الداخلي للتحالف ومنع الشعور بالإقصاء أو إضعاف الوزن السياسي للحزب داخل التشكيلة التنفيذية. كما تفرض الواقعة على الأحزاب المشاركة مراجعة آليات اختيار ممثليها والقطع مع المنطق العائلي أو التكتلي المغلق، والاعتماد على لجان تمحيص ذاتية صارمة قبل رفع الأسماء إلى رئاسة الحكومة، لضمان استمرار الانسجام الحكومي وتفادي التنافر داخل الأغلبية في مستهل ولايتها.
![]()
