بقلم : محمد الفقير –النقاش السياسي والدستوري في المغرب يعرف سجالا متجددا حول حكامة تدبير الشأن العام وتخليق الحياة السياسية، خاصة مع تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة، وما يرافق ذلك من انتظارات كبرى مرتبطة بتفعيل الدستور وتعزيز آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي قلب رهان الاصلاح ، تبرز ملفات شائكة وظلت لسنوات طويلة مثار تجاذبات حادة، لعل أبرزها تجريم الإثراء غير المشروع، وتضارب المصالح، وتطويق الفساد المالي والإداري.
يشكل الفصل 36 من الدستور المغربي لسنة 2011 حجر الأساس والاطار الأسمى لمنع وتجريم كل أشكال استغلال النفوذ والامتيازات غير المستحقة، وتحقيق المصالح الخاصة على حساب المال العام. فالمنصوري قبضت جمرة المسؤولية وفي تقديم العرض الحكومي راهنت على تخليق الحياة العامة ، فإن التنزيل الفعلي للفصل يفرض تبني حزمة تشريعية جريئة وحاسمة تتجاوز التعثرات السابقة، وعلى رأسها إقرار نص قانوني واضح يربط بين تضخم الثروة غير المبرر والمساءلة الجنائية، مع وضع آليات دقيقة لتحديد وضعيات تضارب المصالح، وتوسيع نطاق التصريح الإجباري بالممتلكات، فضلا عن تجريم استغلال المعلومات الإدارية للحصول على امتيازات شخصية أو اقتصادية غير مشروعة.
وتكتسي الخطوات حساسية مضاعفة بالنظر إلى التراكمات السياسية والتشريعية الأخيرة، إذ سبق لوزير العدل عبد اللطيف وهبي أن أثار نقاشا واسعا واحتجاجات حقوقية عارمة بعد التوجه نحو منع جمعيات المجتمع المدني المهتمة بحماية المال العام من رفع القضايا أمام المحاكم وتقديم الشكايات المباشرة، بدعوى تنظيم حق التقاضي وحصر الصفة في جهات محددة. موقف خلق فجوة حقيقية بين مقاربة الوزارة وبين طموحات الفاعلين الحقوقيين الساعين لتعزيز أدوار المجتمع المدني في الرقابة ومحاربة الفساد.
وفي حال تبني رئيسة الحكومة خطا صارما يترجم المطالب الدستورية، عبر إعطاء ضوء أخضر لإعادة فتح باب المتابعات لجمعيات حماية المال العام وإصدار قوانين زجرية لمكافحة الإثراء غير المشروع، فإن ذلك سيعني تراجعا صريحا عن الاختيارات التشريعية التي دافع عنها وزير العدل. فالتعارض المباشر في التوجهات قد يجعل عبد اللطيف وهبي في موقف سياسي حرج يفقد فيه الغطاء الحزبي والمؤسساتي، مما قد يدفعه نحو الهامش ويجعله خارج اللعبة السياسية برمتها، لتكون مرحلة المنصوري بمثابة إعادة تشكيل لخارطة النفوذ الحكومي وتكريس لمفهوم جديد للشفافية وتخليق الحياة العامة.
![]()
