بقلم :  مريم امزيل-حين ينطفئ صوت من أصوات الأرض وتتوارى نبرة أطربت جبال الأطلس وسهوله لأعوام طويلة لا يفقد الفن وترا فحسب  انما يفقد الوطن جزءا من ذاكرته الحية. الفنان الأمازيغي الأصيل عمر بوتمزوغت الذي سقى هوية الأغنية بدم قلبه وعرق روحه يصارع اليوم وحده أعتى المعارك مع المرض اللعين. وبينما تفيض قلوب المحبين بالتعاطف الصادق تظل جدران المؤسسات الرسمية صامتة وتتواصل سياسة الآذان الصماء من جهة جهات يفترض أن تكون الحصن الحامي لكل إبداع وطني.

ما يدمي القلب ويوقغ غضب الضمير الإنساني التباين الصارخ بين الوفاء الشعبي العفوي والخذلان المخزي من طرف وزارة الثقافة. فالفنان الذي أفنى عمره حارسا لبوابة الثقافة والهوية الأمازيغية ومدافعا عن قيم الأصالة يجد نفسه في أشد ساعات ضعفه متروكا لمصيره. أين خطط الرعاية الاجتماعية والدعم الاستثنائي الذي تتغنى به الوزارة في المناسبات…؟ هل تحولت كرامة المبدعين إلى شعارات استعراضية ترفع في المهرجانات وتطوى في ركن النسيان حين يحتاج الفنان حقا إلى طوق نجاة…؟ إن غياب أي التفاتة حقيقية وجادة من وزارة الثقافة لنقل بوتمزوغت إلى أرقى المستشفيات الأوروبية لتلقي العلاج المتقدم ليس مجرد تقصير إداري انه طعنة في ظهر الفن المغربي برمته وتنكر سافر لمن صنعوا فرجة الوطن.

ولا يقتصر الخذلان على المؤسسات الرسمية وحدها  انما يمتد ليطرح علامات استفهام كبرى مؤلمة حول دور جمعيات المجتمع المدني والمنظمات الثقافية المهتمة بالشأن الأمازيغي. أين الإطارات التي لطالما تغنت بالدفاع عن الهوية وتنافست على المنابر لرفع شعارات النضال الثقافي…؟ إن الاختبار الحقيقي للغيرة على الأمازيغية لا يقاس بالندوات الارتجالية والبيانات الباهتة بل يقاس بلحظات المحن والشدائد. أن تكتفي الجمعيات بدور المتفرج أو بوقفات تضامنية رمزية لا تطعم جائعا ولا تشتري دواء بينما يواجه قامة بحجم عمر بوتمزوغت خطر الموت في صمت لهو خذلان أخلاقي وتاريخي لا يمكن تبريره. إن الهوية الأمازيغية ليست مجرد حروف أو احتفالات موسمية انها أولا وقبل كل شيء الإنسان الأمازيغي وفي طليعتهم مبدعوها وفنانوها الذين حافظوا على نبضها حيا.

إن الزيارات العابرة وعبارات المواساة بقدر ما تخفف نفسيا عن الفنان إلا أنها لا تشفي جسدا أنهكه السرطان. ما يحتاجه عمر بوتمزوغت ليس مجرد تضامن عاطفي عابر  انما تحرك مؤسساتي ومجتمعي عاجل جريء ومسؤول لنقله على وجه السرعة إلى أرقى المراكز العلاجية في أوروبا. فنانون بحجم بوتمزوغت وهبوا أعمارهم لإسعاد الشعب المغربي ولا يستحقون أبدا أن يواجهوا نهاياتهم بهذه المرارة والوحدة. إنها صرخة غضب ونداء إنساني عاجل لكسر  الحصار المميت ورد الاعتبار لمن جعلوا للأغنية الأمازيغية طعما ومقاما عسى أن تحرك الكلمات ضمائر نائمة قبل أن يجهش صوت الأطلس بالرحيل الأخير.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.