بقلم : ال عشاق –إذا سألت أي شخص واعي وفاعل سياسي ومتفهم في الشارع العام في المقهى في اللقاءات المفتوحة عن أصعب المهن في العالم، سيقول لك جراحة الدماغ، أو استكشاف الفضاء، أو ربط حذاء طفل في الثانية من عمره، بالتأكيد لن يذكر الانتهازية السياسية المتفتشية والمستشرية في المجتمع المغربي. وللأسف انه إجحاف كبير بحق الحرفة العريقة التي اصبح لها مريدون وجهابدة ، فالانتهازية السياسية ليست مجرد هواية عابرة انها فن رفيع وموهبة فذة تتطلب مرونة فقارية من نوع خاص ، ومهارات فائقة في التزلج على حبال المبادئ المتأرجحة.
ولدينا اسئلة بسيطة لهذه العينة هل تعبت من الثبات على رأي واحد…؟ هل تشعر بالملل من الالتزام بمبادئ قديمة كالصدق، الشرف، أو الوفاء…؟ لا تقلق، هناك دليل مبسط لتعلم فن التكيف الفوري مع جميع الافكار والاديولوجيات، لتصبح نجما ساطعا في سماء البراغماتية المتطرفة.
المبدأ عند السياسي التقليدي يشبه الوشم على الجلد، ثابت ومؤلم إذا أردت تغييره، أما عند السياسي الانتهازي، أشبه بملابس الشتاء، تلبسه حين تبرد الأجواء، وتخلعه بكل بساطة ما إن تشرق شمس المصالح. السر العجيب والغريب يكمن في سرعة البديهة والقدرة على إعادة تدوير التصريحات وقلب المفاهيم . يؤمن صباحا بأن الشعب خط أحمر، وتبين غ مساء أن التيار قد تغير، ما عليه فعله لتضبيب الرؤى وخلط الاوراق إلقاء خطاب حماسي يفسر فيه كيف ان الخط الأحمر مائلا قليلاًعن مكانه الصحيح، وأنه يراهن على وعي الجماهير في اكتشاف الخطأ .
الحرباء في المخيال الشعبي الحيوان الأكثر مظلومية في الطبيعة، لأنه يتهم بتغيير لونه عبثا، بينما السياسي الانتهازي يغير لونه بذكاء خارق لتحقيق مكاسب مادية ومعنوية. بحرص دائما على تفصيل معاطف بألوان متعددة بحيث يمكنه قلبها في أقل من ثلاث ثوان حسب اتجاه الرياح الانتخابية. يجب أن يتمتع بذاكرة لا تذكر أي التزام قدمه الأسبوع الماضي، وفي نفس الوقت قادر على تذكر تفاصيل صغيرة جدا لمن خدم مصلحته ، ولمن عارضه لتصفيته سياسيا. يتكلم كثيراا ولا يقول شيئا، يستخدم جملا فضفاضة مثل الظروف الاستراتيجية للمرحلة الراهنة تقتضي مقاربة تشاركية مرنة، عبارة سحرية تعني ببساطة انه وجد ليحصل على المنصب والباقي تفاصيل.
الجميل في الانتهازية السياسية أنها تمنح صاحبها نوما عميقا وخاليا من تأنيب الضمير. فالضمير عائق بيولوجي مزعج وجد فقط ليعطل مسيرة الطموح الفردي، وحين يتجرد منه يصبح خفيفا كالريشة، قادرا على القفز من سفينة غارقة إلى أخرى طافية دون أن ينبس بكلمة اعتذار واحدة في قالاشخاص الذين خذلهم .
اجمالا فالتاريخ لا يذكر دائما الصادقين والثابتين على مواقفهم وارائهم وافكارهم المتقدمة، لكنه يبتسم للوجوه التي استطاعت ركوب كل الأمواج والوصول إلى الشاطئ جافة تماما، ويبقى السؤال هل تتطلب هذه الحرفة العريقة دورات تكوينية متخصصة لتخريج جهابذة التلون، أم أنها مجرد موهبة فطرية خالصة يولد بها بعض المحظوظين…؟
![]()
