بقلم : بنعيسى يوسفي – قبل الاستحقاقات التشريعية الماضية 2021، كنت قد كتبت مقالا تحت عنوان : ” موسم الهجرة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار ” حيث استقبل هذا الحزب قبل ذلك في ترحال سياسي غير مسبوق، العديد من الشخصيات من أحزاب أخرى ، واستقطب اخرين ، من مختلف المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية، لأن كل المؤشرات كانت تدل وتوحي أن هذا الحزب هو الذي سيقود الحكومة ، ولذلك كان من الضروري تطعيم هذا الحزب وتعبيد الطريق لعدد لا يستهان به من الكائنات الانتخابية التي كانت لها حظوظ وافرة للفوز بمقاعد انتخابية ، ستعطي المرتبة الأولى لهذا الحزب وبالتالي تولي مسؤولية رئاسة الحكومة ، وفعلا هذا هو الذي حصل ، لقد كانت الهندسة الانتخابية تسير في اتجاه إعطاء الفرصة لحزب الحمامة لتولي السلطة وتسيير الشأن العام ، وبالتالي وضع نقطة نهاية لحكم الإسلاميين الذي استمر لولايتين متتابعتين ، واليوم يبدو أن التاريخ يعيد نفسه ، لكن هذه المرة مع حزب ” الأصالة والمعاصرة ” التي يبدو أن هناك تسخينات وتحركات تريد أن تجعل المرحلة المقبلة أو الولاية القادمة ، هي مرحلة وولاية حزب الجرار بدون منازع ، وبطريقة تكاد تشبه إلى حد بعيد تلك التي تم انتهاجها فيما سبق مع حزب الحمامة ، حيث بدأت الهجرة أو الترحال نحو هذا الحزب ، واستقطاب شخصيات سياسية وتكنوقراطية ، قادرة على كسب أصوات الناخبين ، وبالتالي التقدم في الاستحقاقات التشريعية القادمة (23 شتنبر 2026)، مما يعني ترؤس هذا الحزب للحكومة المقبلة وقيادتها. وفي الحقيقة منذ أن بدأت هذه التحركات الذؤوبة وغير العادية ، والتحاق شخصيات بعينها خاصة تلك التي لها شهرة ووزن على الساحة السياسية والتدبيرية بحزب الأصالة والمعاصرة ، وتوليد إحساس لدى الأحزاب الأخرى المشكلة للمشهد الحزبي بالمغرب ولدى الرأي العام ، أن الدولة أو جهات ما ، قد حسمت في أمر الحزب الذي سيتولى مسؤولية رئاسة الحكومة المقبلة تحت مسميات أو مبررات مختلفة، وإن كانت الدولة حقيقة على المستوى الرسمي لم تقل شيئا في هذا الصدد ، لتبقى الأمور مبنية على قراءات وتحاليل وتقييمات مستنتجة بشكل ضمني أومن بين السطور ، خاصة وأن هذا السيناريو بدأ يتكرر وأصبح مألوفا ، مما قد يجعل هذه الشكوك تستحيل حقيقة ، لكن يبقى ذلك على كل حال في دائرة التخمينات والتنبؤات التي قد تكون مصيبة او خاطئة ، حتى بدأت ردود الفعل تتناسل من هنا وهناك ، والتي تختلف حدتها من هذا الحزب أو ذاك ، والواقع لم تكن الأمور إلى حدود الساعة لتصل إلى بعض الردود العنيفة من بعض الأحزاب وخاصة حزب العدالة والتنمية ، وبعده بمدة طويلة حزب التجمع الوطني للأحرار، كل على شاكلته ، والطريقة التي يراها مناسبة ، الا بعد إعلان التحاق السيد ” فوزي لقجع ” بقيادة البام ، وبدأ الترويج لفكرة أنه هو الذي سيتولى منصب رئاسة الحكومة المقبلة ، أو أي شيء من هذا القبيل ، وهذا ما لم تقبله كل الأحزاب ، وإن كان بعضها أو جلها قد لاذ بالصمت ، رغم رفضها لكل هذه الممارسات ، لكنها لم تعقِّب ، ولم تلق بدلوها في كل هذا الذي يروج ويحاك في الحقل السياسي المغربي ، فحزب العدالة والتنمية الذي يعتبر نفسه المستهدف رقم واحد من كل هذه الممارسات ، على اعتبار أنه لا زال يمنِّي النفس بالعودة بقوة ثانية إلى رئاسة الحكومة ، وكل هذا الذي يحدث ويتم التخطيط له هو لقطع الطريق عليه للوصول إلى هذا المبتغى ، في مرافعاته ودفوعاته بخصوص هذا الموضوع ، ينطلق من فكرة جوهرية مفادها أن أولا : بصرف النظر عن الترحال السياسي تجاه البام لتعزيز صفوفه استعدادا للانتخابات المقبلة ، والذي يمكن التغاضي والتجاوز عنه ولو على مضض، رغم سلبياته وتأثيره على المشهد السياسي عامة ، الا أنه ما لا يقبله ولا يستسيغه ويرفضه رفضا باتا ، هو الحديث عن اسم الحزب الذي سيحصل على الرتبة الأولى بشكل مسبق أو ترشيح فولان أوعلان لتولي منصب رئيس الحكومة ، لأنه إذا كانت الأمور تسير بهذا الشكل ، فما هو دور الانتخابات إذن ؟ وهل ستبقى للممارسة السياسية والعملية الديموقراطية الفتية في المغرب من مصداقية ؟ فأين التنافس الشريف والنزاهة ومبدأ تكافؤ الفرص الذي يعتير العصب الحي لكل ممارسة ديموقراطية حقيقية ؟ ثم يطرح السؤال الأكثر عمقا ، وهو ما الهدف من ترويج مثل هذا الكلام أو هذه الخطابات في هذا الوقت بالذات ؟ وثانيا إذا كانت الأمور محسومة سلفا ، فهذا فيه إساءة واضحة للمسلسل السياسي المغربي ، وللخيار الديموقراطي الذي تتبناه الدولة منذ مدة ، وتريد تثمينه وتقويته وتطويره ، وتقويض تام للتراكمات الإيجابية التي تم تحقيقها في العهد الجديد وخصوصا مع دستور 2011 ، فكأن هناك انجرار إلى الخلف والعودة إلى الأزمنة الغابرة التي كانت الدولة ووزارة الداخلية تضع الخريطة الانتخابية على المقاس ، وتعطي الأغلبية لهذا الحزب أو ذاك في جنح الظلام ، ولتذهب نتائج صناديق الاقتراع والديموقراطية إلى الجحيم ، ومن هنا لا مناص من القول أن حقيقة ، هذه الأسئلة التي يطرحها البيجدي وغيره هي أسئلة في غاية الأهمية ، ويجب أخذها على محمل الجد ، وعلى ألجميع طرحها ، لأن إذا استمرت الأمور على هذا الشكل فلا معنى للانتخابات ولا للاقتراع ، وضرب في الصميم للعمل السياسي عامة وللديموقراطية المنشودة بصفة خاصة .
حزب التجمع الأحرار الذي ابتلع لسانه لمدة طويلة أمام كل ما يحدث من ترحال سياسي تجاه الأصالة والمعاصرة ، وكأن الأمر لا يهمه ، ولأن ذلك لن يشكل خطرا على الحزب أو أن هناك اعتقاد مبالغ فيه أن الأحرار ستفوز في الانتخابات القادمة وستقود الحكومة ، بناء كما يتوهمون على حصيلتهم الحالية التي يعتقدون أنها إيجابية ، أو أن هناك إرادة معينة لازالت تثق في هذا الحزب ، وتريد إعطاء له فرصة ثانية لاستكمال الأوراش التي بدأها!!!وبالتالي من الممكن جدا كسب ثقة المواطن مرة أخرى والتصويت لصالحه، سرعان ما بدأ يغير رأيه تدريجيا ،وتغيرت لهجته،ورفع من منسوب انتقاده لحزب لا زال إلى حدود اليوم حليفه في الحكومة ، وإذا كان الانتقاد بشكل معقول وفي إطار طرح أسئلة وإثراء النقاش السياسي كما هو الحال عند حزب العدالة والتنمية أمر مندوح ومقبول، الا أن التسريب الأخير الذي أصبح ملكا للعموم ، لخص كل شيء واختصر لنا الطريق، حيث أظهر فيه أحد قياديه البارزين في إحدى جلسات الحزب ، المفروض أنها تتميز بالسرية ، وهو يستشيط غضبا ، ويوزع الوعيد ذات اليمين وذات الشمال ، معلنا استعداد الحزب لخلق عراقيل لحزب الأصالة والمعاصرة في تشكيل الحكومة المقبلة إن حصل على المرتبة الأولى ، وأنه لن يحلم بوزارة المالية ، التي تسيل لعاب كل الأحزاب ، وما إلى ذلك من هذا الكلام الذي جرَّ على هذا القيادي وابل من الانتقادات اللاذعة من طرف العديد من السياسيين والمتتبعين للشأن السياسي في المغرب هذا التسريب الذي عرى على الحقيقة كاملة وكشف أشياء خطيرة لا يقبلها المنطق السياسي ، وكشف أيضا نوايا هذا الحزب في قادم الأيام ، وكذا معدن هذا القيادي ، الذي لطالما يوثر إثارة الجدل ، سواء في خطاباته أو في حواراته وحتى في وعوده الانتخابية التي لم يتحقق معها أي شيء ، وأنا شخصيا لم أتفاجأ بكل ما قاله في هذا الاجتماع الذي سُرب محتواه ، لأنني أعرف جيدا طبيعة الشخصية السياسية الإندفاعية والتنطعية التي يتصف بها ، تلك الشخصية التي تعرف كل شيء وقادرة على الكلام في كل شيء دون تحفظ ، وركوب الجبل بما قد يشبه بروباغندا لا تخشى من أي موقف أو رأي معارض ،وأمام كل هذا الذي يحدث لا يسع الجميع الا أن يطرح أسئلة حارقة ، من قبيل أهكذا يفهم السياسيون المغاربة السياسة ؟ أبهذا النوع من السياسيين يمكن أن نبني الديموقراطية في هذا البلد ؟ أبهذا الترحال السياسي والحسابات الضيقة بين الأحزاب والتهافت على المناصب والمسؤوليات الوزارية نعيد الثقة المفقودة بين السياسة والمواطن ، الذي هجر السياسة وما يأتي منها ، ومل من نفس الوجوه التي تظهر مع كل استحقاق انتخابي وكأن هذا البلد عاقر لا يلد أشخاصا ذوي كفاءة قادرة على تحمل المسؤولية في إطار التداول والتناوب ؟ أبهذه الأساليب تدار المعركة السياسية الحقيقة ،والتدافع السياسي الفعال؟ لماذا لا نأخذ الدروس من التجارب السابقة، ولنا دائما قابلية تكرار نفس الأخطاء؟
إن كل ما يحدث من ممارسات وسلوكيات ، من طرف أحزاب معينة أو أشخاص بعينها ، حينما يدنو موعد كل استحقاق انتخابي يعطي صورة واضحة مضرة عن الواقع السياسي المغربي ، وعوض أن تشكل كل محطة من محطاته دفعة إلى الأمام ، تعيد بنا خطوتين إلى الوراء ، وللأسف كل هذا التطاحن بين الأحزاب الغاية منه هو احتلال المراتب الأولى التي تؤدي بها إلى الوصول إلى مناصب المسؤولية والصراع المحموم على الحقائب ، أما المواطن فالتفكير فيه يأتي في مراتب متأخرة ، وهذا هو الخطر المحدق بالسياسة في المغرب ، الانفصال بين السياسي والمواطن
![]()
