بقلم : جواد الخطابي- المبادئ السياسية في اقليم الخميسات عبارة عن أزياء موسمية تغير بتغير اتجاه الريح ومصالح المواقع، تطل علينا في دائرة تيفلت الرماني نموذج صارخ للبراغماتية الانتخابية المتمثلة في بشرى الوردي. فرئيسة المجلس الإقليمي التي لم تتردد في خلع رداء حزب التجمع الوطني للأحرار لارتداء عباءة الأصالة والمعاصرة بين عشية وضحاها، لا تقود حملة انتخابية فحسب انما  تدير عملية إعادة تدوير شاملة لتاريخها الحزبي على أمل أن ذاكرة الناخب أقصر من مسافة الترحال السياسي.

إن القفز البهلواني من لون إلى لون الذي يبرر دائما بالمصلحة العامة في  الجوهر صراع محموم على تزكيات التحكم والمصالح الشخصية الضيقة، يعري زيف الخطابات الحزبية التي تتخذ من الشعارات الرنانة مطايا للوصول. وما المقالات الصحفية المعلبة التي تطفو على السطح لتلميع الصورة، سوى مساحيق تجميل رخيصة تحاول عبثا إخفاء تجاعيد الانتهازية السياسية، وتصوير الهروب نحو مواقع نفوذ جديدة كأنها نضال مؤسساتي مجيد، ريثما تصدم  الماكينات التسويقية بجدار الحقيقة في صناديق الاقتراع التي تعبت من استغفال الضمائر.

 ما اثارني فعلا مقالا ارتجاليا  وحاولت تفكيكه عبر قراءة متانية  وخلصت اننا  أمام قطعة أدبية تسولية  رفيعة المستوى من الصحافة الانتخابية المرنة، تتقن فن قول كل شيء ولا شيء في نفس الوقت. مقال يغزل بتملق سياسي نادر خيوط الحملة الناعمة، حيث تتساوى الكثافة الجماهيرية مع صدى الصدى، ويتحول التواصل المباشر إلى أوبرا صامتة يعزف فيها الحزب على وتر الهدوء والتنظيم.

يصر المقال على وصم الحملة بالهدوء، وكأننا لسنا أمام استحقاق انتخابي تنافسي محتدم، تستعمل فيه جميع الوسائل لخطف المقاعد البغلمانية الثلاثة  وانما  أمام ورشة تأمل روحي أو جلسة يوغا جماعية في دائرة تيفلت الرماني، حيث الانضباط المؤسساتي يجب أن يعلو على صخب الشارع الحقيقي. ويعترف المقال بذكاء شديد ومبطن أن الحضور الجماهيري للرجال والنساء ليس معيارا للحكم على اتجاهات التصويت، اعتراف استباقي يقي الحملة من حرج الحشود المستأجرة أو فخ العدسات ذات الزوايا الضيقة التي تصنع الزعامات الافتراضية بلقطة زر.

يتم استدعاء الصفة المؤسساتية لبشرى الوردي بصفتها رئيسة المجلس الإقليمي بوقار شديد، وكأن سجل التسيير المحلي سيهبط على الناخبين كالوحي المقدس، متجاهلا أن التجارب المؤسساتية غالبا ما تكون مثقلة بملفات الرضا والامتعاض الإقليمي العابر للجماعا الترابية التي تعاني ازمات متشعبة تتعلق بالماء الشروب والكهرباء والطرقات والنقل المدرسي. ويتم وصف الابتعاد عن السجالات بأنه ميزة،  لكنه في الواقع هروب دبلوماسي من المواجهة البرامجية المباشرة، ليبقى الخطاب الانتخابي معلقا في سحب العموميات والتطلعات العذبة في انتظار إلهام صناديق الاقتراع.

باختصار، نحن أمام نموذج كلاسيكي لتدوير الخطاب السياسي الفاتر، حملة تحلق فوق الواقع بخفة الصور المتداولة، وتترك للناخبين وحدهم شرف فك شفرة الغموض المؤسساتي ريثما تنطق الصناديق بما عجزت عنه الكلمات المبرنقة والتجميلية لرئيسة المجلس الاقليمي التي لم تقدم طوال الولاية سوى الوعود والانتظارية.

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.