بقلم : محمد الفقير-في موسم السرديات الانتخابية تتبارى الوجوه المألوفة في ارتداء قفازات الإنقاذ الوطني وتوزيع الوعود المعسولة ، تسجل مدينة الخميسات ظاهرة سوسيولوجية فذة تستحق دراسة مقارنة في علم النفس السياسي و يتعلق الامر بظاهرة الرعب المقنن من عاصمة زمور.
فعلى الرغم من أن مدينة الخميسات تمثل الخزان الانتخابي الأثقل والكتلة الناخبة التي تقاس بها عضلات الأحزاب، إلا أن جل المترشحين يتجنبون شوارعها وكأنها موبوءة بإنفلونزا المحاسبة والأسئلة الحرجة، ويهرعون بكامل عتادهم نحو الجماعات الترابية النائية في دائرة الخميسات والماس وكأن في قمم الجبال والأرياف سحرا خاصا يضمن لهم بصمة أصبع هادئة مسالمة وغير مزعجة بالاستفسارات حول غياب التنمية الشمولية والصحة والتعليم والامن و الملاعب أو تعثر المشاريع.
هناك قناعة راسخة لدى كبار مهندسي الحملات الانتخابية أن ابن البادية ببراءته الفطرية وطيبوبته كائن أسهل إقناعا من ابن المدينة، فابن الخميسات المدجج بقهوة المقاهي وتحليلات الفيسبوك اليومية قد يسألك ببساطة أين وعدك بتهيئة الحي منذ خمس سنوات سؤال يعجز أي مترشح محنك عن الإجابة عنه دون الاستعانة بمخارج الطوارئ. لهذا السبب تفضل جيوب الحملات الانتخابية الرحيل نحو الدواوير والهامش فهناك يمكن للخطاب الانتخابي أن يحلق في الفضاءات السريالية دون مضايقة بوعد بناء مستوصف لن يشهد طبيبا أو تعبيد طريق لا يصل إلا إلى حظيرة غنم وستقابل بالهتافات والزغاريد لأن الأرياف ببساطة لا تتوفر على (جوجل ماب) سياسي للتحقق من تاريخ الوعود المنسية.
أما عن محاولات اقتحام مدينة الخميسات نفسها انها أشبه بمغامرة استكشافية في أدغال غير مأهولة، محاولات محتشمة تدار بالاستعطاف ليلا أو عبر تجمعات صامتة لا يحضرها سوى المنتمين للحزب وأبناء العمومة. وليس وعي ابن المدينة ما يخافه المترشحون، هناك شبح مرعب آخر يتربص بهم في أزقة الخميسات الكبرى وهم الشناقة أو سماسرة الانتخابات الاحترافيون، قوم ليسوا مجرد ناخبين عاديين انهم رجال أعمال الموسم الانتخابي يتربصون بالمترشحين في كل منعرج عارضين بطائق المصوتين بالجملة والتقسيط ومقايضتها بأثمان خيالية تجعل ميزانية الحملة تبدو وكأنها تحاول تمويل بعثة فضائية إلى المريخ.
والمترشح الذي يأتي إلى الخميسات لاقناع العقول يصطدم فور وصوله بمن يخبره ببرود أن الأفكار الجميلة لا تطعم الخبز والبطاقة الفلانية بثمنها وصوت فلان يساوى كذا وينتهي النقاش الديمقراطي ليتحول إلى مزاد علني يعجز عنه حتى أثرياء الحرب، ويفضل السياسي الذكي أن يحزم أمتعته بعيدا عن أزقة الخميسات الصاخبة مفضلا هدوء الأرياف وسكينة الجبال حيث لا وجود للشناقة ولا أحد يجرؤ على مطالبة المترشح بكشف حساب عن سنوات العبث التنموي،
![]()
