بقلم : ال عشاق –تقفل صناديق الاقتراع بتاريخ 23-09-2026 وستتضح ملامح الخارطة الانتخابية في ساعات متاخرة من الليل، لا تتوقف السياسة عند عتبات الفوز وخطب النصر وحدها، انما تبدأ اللحظة الأكثر دقة وعمقا لحظة الحقيقة مع النفس. إن سؤال من سيرفع الراية البيضاء ويعلن الخسارة بكل روح رياضية ليس مجرد استفسار عابر عن مآلات السباق الانتخابي في إقليم الخميسات أو غيره من الدوائر، انه دعوة لتأمل فلسفة الفعل السياسي وجدواه.

في الوعي السياسي التقليدي تقرن الخسارة  في تحقيق النصر دائما بمفردات الانكسار والإخفاق. غير أن النضج الديمقراطي يقتضي إعادة تعريف المفاهيم المتعارضة، فالانسحاب الواعي وإعلان الهزيمة بروح رياضية عالية ليس فضيحة ولا نقصا في الكفاءة، انه تعبير عن شجاعة أدبية وفهم عميق لطبيعة اللعبة الديمقراطية. السياسة في جوهرها خدمة عامة وتعاقد أخلاقي مع المواطن وليست صراعا أبديا على المواقع ومناصب المسؤولية، وحين يدرك المترشح أن الاستمرار بات نوعا من الحرث في البحر أو مغامرة غير محسوبة الجدوى، فإن التوقف يصبح فضيلة سياسية تحترم عقول الناخبين وتحفظ كرامة المترشح نفسه.

العمق الحقيقي لأي استحقاق انتخابي يكمن في جدوى المغامرة، فلماذا يترشح الانسان أصلا هل رغبة في التغيير وتقديم بدائل حقيقية تنعكس على تنمية الجماعات الترابية…؟ام مجرد استمرار في طقوس انتخابية روتينية تفرغ السياسة من محتواها الحقيقي وتختزلها في صراع شكلي على النفوذ…؟ حين تغيب الرؤية المتقدمة وتتحول الحملات إلى مجرد أرقام وشعارات جوفاء، يصبح الإحساس بعدم جدوى المغامرة شعورا مشروعا ومحمودا. إن المترشح الذي يصارح نفسه قبل أن يصارح ناخبيه بأن مشروعه لم يجد صداه، أو أن المناخ العام بات يحتاج إلى دماء جديدة وأفكار مغايرة، يخطو خطوة نحو إعادة الاعتبار للعمل السياسي النبيل.

إن المجتمعات التي تتقدم ديمقراطيا تصنع بيئة لا تنظر فيها إلى الخاسر باعتباره مهزوما بمعنى الخزي،  انما باعتباره جزءا لا يتجزأ من الدينامية السياسية. فالاعتراف بالهزيمة وعدم المقدرة على مقارعة الكبار  يكرس قيما أساسية تتمثل في السمو على المصالح الشخصية وتغليب  المصلحة العامة واستقرار المؤسسات على حساب الطموحات الفردية الضيقة، واحترام الناخب عبر مصارحته بالنتائج دون تبريرات واهية، وفتح الباب أمام طاقات جديدة لعلها تقدم ما لم تستطع الوجوه القديمة تقديمه.

إن رفع الراية البيضاء في سياق سياسي لا يعني الاستسلام للكسل أو اليأس، انه إعلان عن عقد صلح مع الواقع ومع الذات. إنه رسالة هادئة تفيد بأن الوجود في الشأن العام لا يقتصر على الكرسي والوجاهة، انه يمر عبر مواقف مبدئية تجيد التوقف حين ينتهي الكلام المفيد، وتترك للمشهد السياسي فرصة لالتقاط أنفاسه بحثا عن معنى حقيقي للتنمية والتمثيل الديمقراطي الحقيقي .

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.