بقلم : ال عشاق-بينما تقف المايسترو فاطمة الزهراء المنصوري وسط حلبة المشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة وتحاول فك لغز طلاسم الأحزاب وجمع الشمل السياسي تحت سقف واحد، يخرج زعماء الأحزاب كل حسب مقاس طموحه، ليتضح بالملموس أن النضال الحزبي في بلادنا ليس سوى قطار محمل بالكفاءات، لكنه يدار بلائحة ركاب تقتصر أحيانا على عائلات الباشوات والنسيب المحبوب.
في ركن هادئ من كواليس التفاوض، يبدو أن محمد أوزين أمين عام الحركة الشعبية قرر أن يرفع شعار النضال العفيف. الرجل دخل صالون المشاورات ملوحا براية الدفاع عن كفاءات حزب السنبلة وقاعدته المناضلة، زاهدا في الحقيبة الوزارية لنفسه. لكن ألسنا أمام لغز حزبي عجيب…؟ أوزين يفصل تماما بين بقائه على رأس السنبلة وبين غنائم الحكومة. فهل هو زهد صوفي مفاجئ في زمن المصالح الشخصية والسيارات الفارهة…؟ أم يا ترى أن الرجل يمهد الطريق لسيناريو آخر، حيث تترك الكعكة للمناضلين لكي يتشاجروا عليها، فيما يكتفي بالرقص على أنغام الأغنية الأمازيغية من بعيد…؟
وعلى النقيض تماماً من زهد السنبلة، يدخل الثنائي المخضرم إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي ونبيل بنعبد الله الأمين العام للتقدم والاشتراكية إلى قاعة التفاوض وكأنهما في سوق لبيع وشراء المقاعد الملكية. هنا لا مكان للزهد، فالقاعدة الذهبية عندهما أن الحزب بيتي والحكومة بيتي والكرسي الوزاري الوسادة التي أستريح عليها من تعب المعارضة. فالزعيمان لا يكتفيان بالجلوس على طاولة الكبار، انما يشترطان صراحة أن تسبق حقيبة الأمين العام حقيبة الحزب. ويبدو أن شعار تجديد النخب والدفع بالكفاءات الشبابية مجرد شعار اجوف أستبدل في قاموسهما بربط الزعامة الحزبية بالاستوزار الأبدي. وكأن التاريخ السياسي للبلاد بدأ بهما وسينتهي بولائحهما العائلية والمقربة، بينما يكتفي المناضل البسيط بلصق الملصقات الانتخابية على الجدران الرطبة صيفا وشتاء منتظرا الفرج الذي يأتي دائما على شكل وعود باردة.
وتبدو فاطمة الزهراء المنصوري في الصورة العامة أشبه بمديرة مدرسة كبرى تحاول تدريس قسم مليء بالتلاميذ المشاغبين، تلميذ يريد حقيبة وزارية على مقاس بدلته الفاخرة، وتلميذ آخر يمثل دور الوطني الغيور الذي يرفض الاستوزار الشخصي ظاهريا بينما تحوم الشكوك حول باقي حاشيته. فهل ستنجح المنصوري في إرساء قواعد لعبة نظيفة تضع الكفاءة الحقيقية في الواجهة، أم أن مشاورات تشكيل الحكومة ستنتهي كالعادة بحفلة عائلية كبرى يوزع فيها كعك الوطن على الأبناء والأصهار، ويترك فيها المناضلون الحقيقيون خارج السور يكتفون بالتصفيق الحار في الكواليس…؟
![]()
