بقلم : مريم امزيل – مشهد يذكرنا بنهاية الأفلام الصامتة وقف بغلماني الجرار (حزب الأصالة والمعاصرة) الشهير محمد شرورو اقليم الخميسات، أمام عدسات الكاميرات وأقلام الصحافيين بباب المؤسسة التشريعية. انتظر الجميع طوفانا من البلاغة السياسية، ومطولات خشبية عن التنمية المستدامة، والإقلاع الاقتصادي، والجهوية المتقدمة… فإذا بالصاعقة تقع: (ما بقا عندي ما نقول).
جملة واحدة كافية لهدم صرح من الوعود الانتخابية المرتجلة، واختزال شهور من الحملات الصاخبة في خمس كلمات من باب الاعتراف فضيلة. وبعيدا عن ميكروفونات الصحافة التي أصيبت بالذهول، دعونا نحلل (اللا-قول ) الساخر في مختبر السوسيولوجيا السياسية المأزومة….في العادة، يمتلك السياسي المغربي (خصوصا المخضرم منه) مخزونا استراتيجيا من الوعود الجاهزة، من قبيل سنحارب الفقر، سنعبد الطرقات، سنوفر الشغل للشباب حتى يفيض، والخميسات والماس ستصبح سويسرا المغرب.
ويبدو أن محمد شرورو قد تعرض لاستنزاف حاد في الذاكرة الوعودية ، تخيلوا معي بغلمانيا يحاول تذكر كم قنطرة وعد ببنائها في دواوير الخميسات والماس، وكم ملعبا للقرب زرعه في المخيلة الجماعية لناخبيه. حين تحاول استرجاع كل تلك الوعود، تكتشف أن الذاكرة الرقمية للسياسي وصلت إلى الحد الأقصى يعني امتلات والحل الوحيد يمكن في الضغط على زر التفريغ والقول باختصار، (ما بقا عندي ما نقول).
السياسة حقل تجارب، والوقوف أمام الصحافة بعد تدبير الشأن العام يشبه السير على حبل مشدود فوق وادي عميق من الأسئلة المحرجة. إذا تحدث عن الغلاء، سيقال له، أين كنتم…؟ وإذا تحدث عن الوعود، سيقال له، أين إنجازات الخميسات والماس والاقليم بصفة عامة …..؟ وإذا سكت… سيقال عنه إنه صامت….
كان قرار شرورو التلفع بالصمت أذكى خطوة استراتيجية في تاريخ البلاغة البغلمانية الحديثة. الصمت هنا ليس عجفا، بل هو تدبير احترازي لدرء خطر زلات اللسان التي قد تحول السياسي من ممثل للأمة إلى مادة دسمة لصفحات الفكاهة على منصات التواصل الاجتماعي.
لا يمكن فهم عبارة (ما بقا عندي ما نقول) بمعزل عن جغرافية الصراع الانتخابي في دائرة الخميسات والماس. مناطق مثل والماس بمرتفعاتها وجبالها، والخميسات بقراها المترامية الأطراف، تتطلب طاقة جبارة في الحملات الانتخابية. صعود الجبال، مصافحة الأيادي تحت حر الشمس، ووعد العجائز والشباب بالمعجزات، كلها أشياء تترك ندوبا نفسية وجسدية عميقة لا تندمل بسهولة.
يبدو أن شبح التنافس الانتخابي الضاري في تلك الربوع لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على نفسية النائب البغلماني، فبعد أن جاب كل شبر باحثا عن الأصوات، وجد نفسه وجها لوجه أمام أسئلة الحقيقة، ففضل الانسحاب بكرامة الشاعر الذي أتم قصيدته وضاعت قوافيها في زحمة المداشر.
في زمن كثر فيه الكلام وقلت فيه الأفعال، ربما يجب أن نحيي النائب محمد شرورو على شجاعته النادرة في الاعتراف بأنه أفلس لغويا. فعوض أن يغرقنا بالإنشاء الخشبي، آثر الصمت. والصمت في لغة السياسة، قد يكون أحيانا بليغا… خصوصا حين ينفد الكلام ولا يبقى في الجعبة سوى صدى وعود الحملات تتبخر تحت شمس اقليم الخميسات الحارقة…
![]()
