بقلم : محمد الفقير –يكفي أن تحط الرحال بجماعة الخميسات، وتحديدا في القسم الخفي حيث يصنع الكائن الإداري الأغرب في المنظومة الترابية المغربية، ( العون العرضي) كائن يجمع بين صفات متعددة ويعمل في بيئة انعدام الجاذبية القانونية، ويتقاضى أجرا دون أن يعرف أحد من أين يأتي ولا كيف، ويشكل لغزا حير علماء الأنثروبولوجيا الدستورية وقضاة المجالس الجهوية للحسابات .
تفترض النصوص المنظمة للوظيفة العمومية الترابية، وعلى رأسها القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات، أن التوظيف أو التعاقد يخضع لمبادئ تكافؤ الفرص والاستحقاق والشفافية. في الشق العرضي بجماعة الخميسات، تتحول المبادئ إلى مجرد حبر على ورق عتيق. فالاختيار يخضع لمعايير مبتكرة، أولها معيار القرابة البيولوجية والانتخابية، اذ تتحول شجرة النسب العائلية إلى سيرة ذاتية معتمدة لدى مصالح الموارد البشرية. وثانيها معيار الوجود يعني أن تكون موجودا وغير موجود في نفس الوقت، تسجل حضورك صباحا لتوقيع الورقة ثم تختفي كالأطياف . وثالثها مبدأ تفريغ الغضب الاجتماعي بتحويل شبح الاحتجاجات الموسمية إلى عقود عرضية قصيرة الأمد تشبه مسكنات الألم.
من الناحية القانونية الصرفة، وجد الأعوان العرضيون في الأصل لسد العجز الحاصل في الأعمال الميدانية المادية الشاقة التي تحتاجها الجماعة بشكل مؤقت وموسمي، كأعمال التنظيف الشاملة وصيانة الحدائق والبستنة وأشغال الصيانة البسيطة ونقل المعدات. وبما أن السياسة حين تدخل الإدارة من الباب يهرب القانون من الشباك، فقد شهدت جماعة الخميسات تحولا عجيبا يعاكس قوانين الطبيعة والإدارة على حد سواء. فقد أحدثت المحسوبية الانتخابية قطيعة مع الميدان، وبقدرة قادر تسحب المجرفة والمكنسة من يد العون العرضي ليحل محلها مفتاح المكتب ورمز المنظومة المعلوماتية.
وتتجلى الفضيحة الإدارية المكتملة الأركان، إذ تقتضي القوانين الإدارية المغربية أن ممارسة السلطة الإدارية كالتأشير على الوثائق وتوقيع الشواهد الإدارية واستخراج نسخ الحالات المدنية ،اختصاصات حصرية موكولة قانونا لرئيس المجلس أو لموظفين محلفين ومرسمين يحملون تفويضا رسميا ومكتوبا ومشهورا. لكن في جماعة الخميسات، نجح بعض الأعوان في تنفيذ انقلاب إداري أبيض، فباتوا هم من يمسكون بمفاتيح المنظومات المعلوماتية، ويؤشرون على الوثائق ويتحكمون في الموظفين الرسميين المرسمين ويأمرونهم، متحولين إلى موظفين فوق العادة يستمدون نفوذهم المباشر من ولي أمرهم السياسي داخل المجلس. وضع ملتبس لا يعد مجرد خرق مسطري، انه يرقى في القانون إلى انتحال صفة وظيفة ينظمها القانون والتلاعب بمصداقية المحررات الرسمية للجماعة.
وبيت القصيد والسؤال الذي يطرق في المجالس المظلمة، كم عدد العمال العرضيين في جماعة الخميسات ومن يتكلف بدفع المستحقات المالية للجنود الخفيين…؟ فميزانية الجماعة تعاني أساسا من عجز مزمن وتوجه معظم اعتماداتها نحو مصاريف التسيير لدرجة تجعل أداء أجور الأعوان معجزة حسابية والنتيجة أن المرفق العمومي يحرم من خدمات النظافة والبستنة الحقيقية، بينما توضع كل الشواهد والنسخ الصادرة عن الأعوان تحت طائلة البطلان المطلق.
ويظل العون العرضي بجماعة الخميسات أيقونة عبثية للزبونية السياسية التي تفقد المرفق العمومي حياده ومصداقيته، ويصبح من يفترض فيه رعاية الحدائق من يؤشر على عقود المواطنين ومصالحهم، فإن الجماعة لا تدبر شؤون الساكنة انما تدبر تركة انتخابية يقع ضحيتها القانون أولا و الموظف ثانيا والمواطن ثالثا .
![]()
