بقلم : مريم امزيل –البشائر التي تطل علي المتتبع للشان المحلي  من دفاتر الحسابات الرسمية بجماعة الخميسات ، اذ  استطاع عباقرة التدبير المحلي والمجلس الموقر أن يبتكروا تصميما عمرانيا ثوريا يقر بحقيقة  مضحكة ان الأشجار ترفض أداء الضرائب، والعشب الأخضر لا يصوت في الانتخابات وملاعب القرب لا تنتج سوى المشاكل والضجيج ، فلماذا إهدار ميزانية الجماعة في رفاهية لا تقيت ولا تسمن من جوع الأسفلت…؟

أسدل الستار على الميزانية السنوية لجماعة الخميسات وبحث المهتمون بالمكبرات والمناظير فلم يجدوا درهما يتيما، ولا فلسا حزينا، مخصصا للمناطق الخضراء ولا مبلغا لتاهيل ملاعب القرب . أما تلك البقع المنسية والأحياء الشعبية التي تحتضن هياكل حديدية وأتربة جافة كانت تسمى يوما حدائق، فقد قرر المجلس بحنكته العالية أن يتركها على طبيعتها البدائية، وفاء للتاريخ وإمعانا في محاربة الترف البصري.

تجول في أحياء الخميسات العتيقة والجديدة على حد سواء، وستلاحظ أن الطبيعة تخوض معركة بقاء خاسرة. أحياء بأكملها ترفرف فيها أعلام اليابسة ويتطاير فيها غبار الصحراء ،  انها عاصمة إقليم الخميسات يفترض أنه تنبض بالحياة. الحدائق تلك المساحات الجرداء المحاطة بأسيجة منسية تحولت بقدرة قادر إلى مواقف عشوائية للسيارات أو ملاعب مفتوحة للحجارة والأتربة، فلا أشجار تستظل بها العائلات، ولا ورود تسر الناظرين، مجرد تذكارات حية لفشل ذريع في التخطيط البيئي. فالمجلس الموقر يتبنى فلسفة عميقة مفادها، لماذا نسقي العشب ونجلب الشتلات، بينما يمكننا الاستثمار في طلاء الأرصفة بألوان زاهية تخفي خلفها بؤس الواقع…؟

ولأن التهميش في المدينة يتميز بالشمولية والتكامل، لم تسلم ملاعب القرب من  غياب  الرعاية  فالمنشآت التي أريد لها أن تكون متنفسا للشباب والرياضيين أصبحت شواهد حية على الإهمال والنسيان. تلتف حولها أسلاك محيطة ينخرها الصدأ وتحتلها الثقوب الكبيرة التي تحول كل مباراة إلى رحلة بحث عن الكرة خارج الأسوار، بينما تآكلت أرضيتها وتحولت إلى حفر ومصائد ملغومة تهدد أقدام الممارسين بالإصابات. إنها ملاعب مهترئة ترفع شعار حلبة المصارعة بدلا من ممارسة الرياضة، وكأن التدبير المحلي يقدم للشباب رسالة مضمرة مفادها أن اللعب في العراء وعلى الحصى أرحم من ميزانية صيانة مفترضة لم يتبق منها سوى الذكريات.

المدهش حقا والمبكي ان  بعض الشوارع الرئيسية، ستندهش لسرعة إصلاح الأرصفة وتغيير البلاط كلما حلت مناسبة أو حلت لجنة تفتيش. تبدو المدينة وكأنها تخضع لعمليات جراحية تجميلية دائمة في الأرصفة والواجهات، بينما الرئة الخاصة بالمدينة ومرافقها الرياضية الشعبية تختنق . فهندسة الواجهات تؤمن بأن المواطن لا يحتاج إلى أكسجين نقي ولا إلى ملاعب آمنة أو ظل شجرة تحميه من لهيب الصيف انما  يكفيه أن ينظر إلى الأرصفة اللامعة ليرتوي!

أين ذهبت وعود التنمية المستدامة….؟ وأين نصيب البيئة والرياضة من كعكة الميزانية…؟ سؤالان طرحهما الشارع مرارا وتكرارا، وجاء الرد الرسمي مدويا وصريحا عبر لغة الأرقام الصفرية في بنود الميزانية: العشب عصيان، والشجر ترف، والاصفرار مع الصدأ هما الهوية البصرية الجديدة للمدينة!

 ولا يسع المواطن سوى ان  يقف احتراما للإخلاص المنقطع النظير لثقافة اليباب والغياب البيئي. فلتبق الحدائق مهملة، ولتبقى ملاعب القرب مكسورة ومثقوبة، ولتستمر الأحياء في استنشاق غبار الزمن، فسياسة الواجهة لا تهتم بما تنبت الأرض ولا بما تحتاجه الناشئة، انما بما يلمع على السطح . وإلى أن يدرك المسؤولون أن شجرة واحدة وملعبا صالحا يعادلان مئة خطبة إدارية، ستظل الخميسات واحة للأسفلت.. وصحراء قاحلة ….

Loading

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.