في دهاليز السياسة واقبيتها المطلسمة، غالبا ما تمر خطابات الفاعلين مرور الكرام، لكن حين يمتزج غياب الواقعية بفائض الحماس والضغط والاستفزازات من طرف المعارضة وقناصو الهفوات، تخرج التصريحات من سياق الجدل الجاد لتسقط مباشرة في فخ الطرافة الرقمية. هذا تماما ما حدث حين تداولت منصات التواصل تصريحا منسوبا للسياسي المغربي وزعيم الحركة الديمقراطية الاجتماعية ورئيس جماعة تيفلت اقليم الخميسات عبد الصمد عرشان ، وزعم فيه ببطولة فذة أنه “حارب الديناصورات”. عبارة واحدة كانت كفيلة بفتح شهية المعارضة والحاقدين والناقمين لإنتاج سيل جارف من الكوميديا السوداء والفكاهة السياسية العابرة للاقليم.
وسرعان ما تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ورشات مفتوحة لصناعة اشرطة فيديو تظهر معارضا يركب ظهر ديناصور؛ حيث اعتبر قطاع واسع من المعلقين أن التعبير، وإن كان يحمل مجازا سياسيا يقصد به الحرس القديم أو التماسيح والعفاريت بلغة معاصرة، إلا أن إسقاطه جاء غارقا في السريالية. لقد أثبت الرأي العام الاقليمي، كعادته، أنه يمتلك رادارا استثنائيا لالتقاط العبارات الشاردة وتحويلها فورا إلى قفشات شعبية تتداول في المقاهي والنقاشات اليومية، لتصبح العبارة تهمة جاهزة تلقى على كل مسؤول يبالغ في استعراض بطولاته الوهمية. فالكلمة السياسية اليوم لم تعد تموت داخل القاعات المغلقة أو تحت قبة البرلمان، بل تولد من جديد في الفضاء الأزرق لتصاغ بوعي جمعي ساخر يعيد ترتيب دلالاتها. وتكشف هذه الواقعة عن تحول بنيوي في علاقة المواطن بالسياسي. ففي زمن “التريند” وسرعة الضوء الرقمية، لم يعد الجمهور متلقيا يكتفي بهز الرأس والتصفيق وملا البطن بالمكاولات الدسمة واطلاق شعارات تمجد الزعيم السياسي، بل أصبح المتلقي والمتفرج شريكا في إنتاج الخطاب الساخر وتفكيك المبالغات.
إن هفوة عبد الصمد عرشان التي جاءت في سياق الدفاع عن المنجزات المحققة مند توليه المسؤولية التعاقدية بجماعة تتقدم في سلم التنمية اثناء مجريات دورة بجماعة مدينة تيفلت رسالة شديدة اللهجة لكل من يعتلي منصات الخطابة: انتبهوا لقفشاتكم، فجملة واحدة غير محصورة قد تصنع منكم نجوما في عالم الفكاهة، وتخلد أسماءكم في الذاكرة الجماعية… ليس كصناع قرار، بل كأبطال في ألبوم النكت الشعبية.
![]()
