بقلم: ال عشاق -يشهد المغرب واحدة من أكثر الأزمات حدة بين وزارة العدل وهيئات المحامين بالمغرب، بعدما تحولت الخلافات حول مشروع قانون مهنة المحاماة إلى إضرابات وطنية متواصلة وتصعيد غير مسبوق في الخطاب بين الطرفين. ولم يعد الأمر يتعلق باختلاف تقني حول نص قانوني، انما أصبح صراعا قويا وقانونيا وتنظيميا حول تصورين مختلفين لموقع المحاماة داخل منظومة العدالة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيمها.
تؤكد جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن مشروع القانون الجديد يتضمن مقتضيات تمس باستقلالية المهنة، سواء من خلال آليات التنظيم والتأديب أو شروط الولوج إليها وبعض المقتضيات المتعلقة بتدبيرها، معتبرة أن هذه التعديلات تغير الفلسفة التي قامت عليها المحاماة باعتبارها شريكا أساسيا في تحقيق العدالة وليست مجرد مرفق مهني يخضع للإدارة الحكومية.
في المقابل، تدافع وزارة العدل عن المشروع باعتباره جزءا من إصلاح شامل لمنظومة العدالة، وترى أن تحديث الإطار القانوني أصبح ضرورة لمواكبة التحولات التي يعرفها القضاء وتعزيز الشفافية والنجاعة في تقوية المهنة. كما يرفض وزير العدل الاتهامات الموجهة إليه بشأن المساس باستقلالية المحامين، مؤكدا أن البرلمان هو الفضاء الطبيعي لمناقشة النصوص التشريعية وتعديلها.
ترتكز مطالب المحامين على ثلاثة أهداف رئيسية: حماية استقلالية مهنة المحاماة عن أي تدخل قد يحد من استقلالها المؤسسي. سحب أو مراجعة المواد التي يعتبرونها ماسة بالحقوق المهنية وبالتوازن داخل الهيئات المهنية عبر التراب الوطني. فرض منهجية الحوار والتوافق قبل المصادقة النهائية على أي إصلاح يخص المهنة.
ويرى المحامون أن استقلالهم ليس امتيازا مهنيا، بل ضمانة دستورية لحق المتقاضين في دفاع حر ومستقل، لأن المحامي يمثل أحد أعمدة العدالة إلى جانب القضاء والنيابة العامة. من الناحية القانونية، يكفل الدستور المغربي حرية التعبير والاحتجاج والعمل النقابي، كما يسمح للهيئات المهنية بالدفاع عن مصالحها عبر أشكال احتجاجية سلمية. لذلك فإن مبدأ الاحتجاج في حد ذاته يعد مشروعا متى التزم بالقانون واحترم حقوق المواطنين. غير أن مشروعية الاحتجاج تختلف عن تقييم آثاره. فالتوقف الجماعي عن العمل داخل المحاكم يؤدي إلى تعطيل جلسات وتأخير البت في القضايا، ما يمس بحقوق المتقاضين ويخلق تحديا أمام مبدأ العدالة داخل آجال معقولة. و يظهر التوازن الصعب بين حق المحامين في الاحتجاج وحق المواطنين في الولوج إلى العدالة.
تكشف المواجهة التي وصلت الى الابواب المسدودة عن أزمة ثقة بين وزارة العدل وهيئات المحامين أكثر مما تكشف عن خلاف حول مواد قانونية فقط. فالتصريحات المتبادلة خلال الأشهر الأخيرة رفعت من مستوى التوتر والاحتقان، وأضعفت فرص الوصول إلى حلول توافقية، قبل أن تتطور الأمور إلى إضرابات وطنية متكررة وتصعيد في الخطاب من الطرفين. ويرى عدد من المتابعين أن الإصلاح الحقيقي لمنظومة العدالة لا يمكن أن ينجح دون إشراك جميع الفاعلين، وفي مقدمتهم المحامون، لأن أي إصلاح يفتقد إلى التوافق قد يواجه صعوبات كبيرة عند التطبيق.
يبقى إضراب المحامين مؤشرا على عمق الخلاف حول مستقبل مهنة المحاماة بالمغرب. فبين رؤية وزارة العدل التي تعتبر المشروع خطوة إصلاحية، ورؤية الهيئات المهنية التي ترى فيه تهديدا لاستقلاليتها، يظل الحوار الجاد والمسؤول السبيل الأكثر قدرة على تجاوز الأزمة. فالعدالة لا تستقيم بسلطة قوية وحدها، ولا بمهنة مستقلة وحدها، وإنما بتوازن دقيق بين استقلال القضاء، واستقلال الدفاع، واحترام المؤسسات الدستورية، بما يضمن في النهاية حماية حقوق المواطنين وترسيخ دولة القانون.
![]()
