بقلم : محمد الفقير – حين تفقد المناسبات الوطنية المجيدة ألقها الرمزي وتتحول من محراب لاستحضار ملاحم التضحية ونضالات الشعب إلى مجرد مواسم دسمة لاقتسام الغنائم وتمييع الحقل الثقافي، فإننا نكون أمام أزمة وعي بالمسؤولية التعاقدية والتدبير معا. ففي كواليس بعض المجالس المنتخبة، باتت المحطات الوطنية تدار بمنطق الشيكات على بياض تحت يافطة فضفاضة تسمى التنشيط الثقافي، بينما الحقيقة المرة استنزاف مقنن للمال العام وهدر لطاقات المدينة. وما تشهده مدينة الخميسات اليوم على وقع التحضير للمهرجان المخلد لذكرى المسيرة الخضراء المظفرة، إلا نموذج صارخ لالتفاف سافر على مقاصد الدستور وقواعد الحكامة الرشيدة.
إن الفعل الثقافي الأصيل يعيش في مستويات وأبعاد متقدمة وينتج الفكر والتنوير ، متعاليا عن السجالات السياسية الضيقة والصراعات الهامشية لانه نبض الأمة وضميرها الحي، لا ينبغي أن يختزل في ديكور موسمي يزين مكاتب المنتفعين وتجار الذمم، ولا أن يستدرج ليكون أداة طيعة في هندسة الولاءات الانتخابية وخلق القطيع. فالواقع المحلي بالخميسات يعكس صورة مغايرة تماما لما يجب ان يكون عليه الوضع الثقافي في شموليته وابعاده الانسانية والتنويرية ، اذ حلت اللقاءات الانتقائية المغلقة في المقاهي وخارج الأطر المؤسساتية محل المجالس الرسمية والمؤسسات المنتخبة، وحجب أعضاء اللجان المختصة بالفعل الثقافي عن ممارسة دورها في الرقابة، لتقسيم كعكة المهرجان بمعزل عن الحياد والشفافية لصالح شبكات من المتنفذين ممن يحسنون اقتناص الفرص وصناعة قواعد الولاء المسبق.
ولم يعد النهج مجرد خطأ تدبيري عابر انه نزيف متقيح ومستدام يصيب مقدرات ساكنة أثقلت كاهلها الضرائب، لتصب في النهاية في حسابات جمعيات صورية ومقربة، في مقابل تهميش ممنهج للفاعلين الجادين والحقيقيين. وخير دليل على الحيف المقنع ما تقابل به الجهات الوصية طلبات جمعية «خميسآرت» التي اصدرت بيانا شديد اللهجة يسمي الاشياء بمسمايتها ويضع الاصبع على الجرح الغائر ،انها جمعية نشطة ونموذج للنسيج الجمعوي الهادف التي انتفضت لفضح الصمت المطبق والتبريرات الواهية من قبل المجلس الجماعي، فالجمعية قدمت عروضا مسرحية متنوعة ومبادرات شراكة منذ مطلع السنة، قابلتها الإدارة بتجاهل تام وخرق جلي لمبادئ تبسيط المساطر وعلل القرارات الإدارية، في إقصاء صريح لوعاء ثقافي يزخر بالرصيد ويؤطر الشباب بعيدا عن أية استفادة من المال العام.
إن ما يجري بجماعة الخميسات يضع الوثيقة الدستورية والقوانين التنظيمية للجماعات في مهب العبث والاستقتهتار وممارسة الاقصاء والتهميش في حق جمعيات تخضع لنفس القوانين، فالدستور يكرس حق المجتمع المدني في المساهمة في إعداد السياسات العمومية والولوج العادل للمرافق والدعم، كما تشدد دوريات وزارة الداخلية دوما على ربط الدعم بمشاريع واضحة ومعايير الاستحقاق لتفادي تضارب المصالح والابتعاد عن تدجين الفعل الثقافي. وأمام التغول الذي اصبح عنونا لمرحلة من التعامل الانتقائي الذي يخدم في العمق اجندلات سياسية تقف السلطات الإقليمية بعمالة الخميسات أمام مسؤولية تاريخية وقانونية لتفعيل سلطة المراقبة الإدارية، وفتح تحقيق عاجل ونزيه في معايير اختيار المستفيدين من الدعم العمومي، ومحاسبة المتورطين في هدر زمن المدينة وطاقاتها الإبداعية.
إن خلاص الخميسات من التهميش الممنهج لا يتحقق إلا بتكتل رصين للجسم الثقافي، والفني، والإعلامي، والحقوقي، ليقف سدا منيعا في وجه تحويل المناسبات الوطنية إلى أصول تجارية وصفقات ترضيات. فحماية المال العام وصون طهارة الفعل المسرحي ينبغي أن تكون معركة مجتمعية شاملة، تستعيد للثقافة ألقها النبيل، وللشباب أملهم في مسرح حر ينبض بهموم المجتمع لا بمصالح تجار الأزمات ومافيا التنشيط الموسمي.

![]()
