بقلم : بنعيسى اليوسفي -لا زال تاريخ منطقة زمور والقبائل المشكلة لخريطتها تأسر اهتمام الدكتور “مولود عشاق” وتوجه انشغالاته العلمية والتاريخية، إذا لم نقل انها أمست تشكل النواة الصلبة لكل مشاريعه البحثية في هذا الصدد ، ولا زالت عملية التنقيب وكشف خبايا ومكنونات هذا التاريخ على مختلف المستويات رغم مشاقها وعنتها تجذبه وتثير لديه فضولا معرفيا ، وإحساسا بالمسؤولية العلمية والأكاديمية تجاهها ، هذا الإحساس الذي انطلقت شراراته حقيقة منذ ما يربو عن عقدين من الزمن حينما أصدر كتابه الأول ” جوانب من تاريخ منطقة زمور في مارس سنة 2005 ، ليلفي نفسه منخرطا طواعية في مشروع مونوغرافي يجعل من أولوياته إعادة قراءة تاريخ منطقة زمور بكل تفاصيله ودقائقه ، وإخراجه إلى الواقع بحلة جديدة أكثر تجردا وموضوعية ، وتخليصه من الشوائب العالقة به ، وتصحيح الكثير من المغالطات التي تدثره ، ومن هذا المنطلق يكون الدكتور قد ولج مجالا بكرا وخصبا وغنيا ، يحتاج إلى من يخرج درره وكنوزه إلى دائرة الأضواء وإيصالها إلى المتلقي المهتم والدارس الباحث على حد سواء ، وما الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه الا تجسيدا لهذا الطموح ولهذا المبدإ، و يمكن اعتباره جزء لا يتجزأ من هذا المسار البحثي المتميز للدكتور عشاق ، والذي من دون شك لا يزال طويلا ، بحكم أن هناك أبحاث وكتب كثيرة في الطريق تسير في نفس اتجاه الغوص في اعماق تاريخ زمور من مختلف الزوايا ، سترى النور قريبا.
لقد استهل الدكتور ” مولود عشاق” كتابه هذا بإحاطة عامة حول المجال الجغرفي لقبيلة ” آيت سيبرن”، تحدث فيها عن الموقع الجعرافي المهم والاستراتيجي لهذه القبيلة المتواجدة في محور طرقي رئيسي ، يربط بين مدينتين كبيرتين هما الرباط و فاس ، بالإضافة إلى حدودها وتضاريسها المتنوعة ، وكذا مناخها الملائم المحفز والباعث على الغنى والاستقرار ، حيث الثروة المائية والغابوية تحيط بها من كل جانب ، ليمر الدكتور بعد ذلك إلى الحديث عن أصل تسمية القبيلة ، وعلى ماذا تحيل ؟ وهكذا بعد فحص دقيق للعديد من الروايات والكتابات التي عنت بهذا الموضوع ، خلص الدكتور إلى أن أصل التسمية أولا بخصوص الشق العربي من القبيلة يعود إلى ” سيدي أحمد بن يوسف الملياني ” نسبة إلى مليانة الواقعة بين الجزائر وتلمسان ، أما الشق الأمازيغي منها فهذا الفرع يتحدر من برابرة صنهاجة الجنوب ، والإسم يدل على القوة والشجاعة ورباطة الجأس ، وهذه ميزة متأصلة في جذور القبيلة ، وتتوارث جيل بعد جيل ، وبعد ذلك انتقل الأستاذ الباحث إلى تسليط الضوء على الجانب التعميري الذي تزخر به القبيلة حيث قام ا بجرد كامل لمختلف المواقع الجغرافية المنتشرة فيها وربط كل موقع بسياقه التاريخي وحيثياته والظروف التي أفرزته ، وكذا أدواره الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، في المجتمع القبلي ، وحمولاته التاريخية والإحسانية والقيمية ، فمن ” إيفري نعمر أوموسى ، إلى فنزارة مرورا بدار أم السلطان وصولا إلى موقع معدن الملح ” كل هذه المواقع نالت نصيبها من التعريف وكشف مستفيض لخباياها وأسرارها ، لينتقل الدكتور بسلاسته المعهودة في المحور الموالي إلى بعض مسارات التي نحتتها القبيلة بعلاقاتها مع القبائل المجاورة أو مع المخزن المركزي ، فعلاوة على الاقتناع التام والذي لا يقبل الشك والجدال ، على أن هذا المجال الجغرافي الذي يسمى ” آيت سيبرن ” كان مأهولا بالسكان منذ القدم ، ولم يكن يوما أرض خلاء ، فإن هذا المجال أيضا كان فضاء لتعاقب شعوب وكيانات وهويات إثنية كثيرة ، أما من حيث النفود فتذهب بعض الكتابات التارخية كما هو الحال عند ” أبو عبيد البكري” أن المنطقة بعد نهاية التواجد الروماني فيها ، خضعت للنفود البورغواطي خلال القرن الثالث الهجري الثامن الميلادي ،كما خضعت ردحا من الزمن للسيطرة الإدريسية ، ثم الموحدية ، مرورا بالدولة السعدية وصولا إلى الدولة العلوية ، وكما هو الحال عند القبائل المغربية التي تتأرجح العلاقة بينهم ، بين الاقتتال تارة والسلام تارة أخرى ، فإن قبيلة آيت سيبرن لم تشذ عن الطوق ، ولم تشكل الاستثناء ، ولم تكن بمنأى عن هذه السلوكات والتصرفات ، فلقد كانت دائمة التدافع والتناحر بين القبائل الزمورية المجاورة لها ، الشيء الذي دفع بالمخزن الرسمي إلي تعيين قياد عليها إسوة بباقي القبائل ، للاستتباب الأمن وتأمين القوافل التجارية ، وفي بعض الأحيان تتدخل السلطات المخزنية الرسمية لإيقاف الكثير من هذه التجاوزات أو القلاقل والاضطرابات ، أو بعض التمردات حتى ، التي تقع بين هذه القبيلة والأخرى المتاخمة لها ، وإعادة الأمور إلى نصابها . ولم يفت الأستاذ الباحث في هذا الكتاب أن يعرج على موضوع في غاية الأهمية ، وهو موضوع مقاومة قبيلة آيت سيبرن للاستعمار الفرنسي الغاشم ، فكما هو معلوم فإن القبائل المغربية عامة والأمازيغية خاصة لم تستسغ يوما وجود المستعمر الفرنسي على أراضيها وينهب خيراتها ويقتل رجالاتها ، فكانت له بالمرصاد ، وقبيلة آيت سيبرن لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الهيمنة الفرنسية ، وأذاقت الجيش الفرنسي بقضه وقضيضه مرارة ضربات قاصمة في مواقع عدة ، ولقد أسرد الدكتور عشاق أحداث ووقائع تدل على ذلك في ترتيب كرونولوجي استغرق سنوات كثيرة كانت فيه المقاومة السيبرنية تقف شامخة في وجه العدو الفرنسي ، بزعامة قياديين ميدانيين أمثال “محمد بن حق الزموري والسود بن داحد الزموري السيبرني والكتاني بن الملياني السيبرني ” وآخرين كثر ، من الذين استرخصوا أرواحهم في سبيل تحرير البلاد والذود عنها .ليخلص الأستاذ الباحث في نهاية هذا الكتاب إلى محور أخير أفرده للحديث عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية للقبيلة وأنماط عيشها ، والأنشطة التي كانت تمارسها وتعتبر مصدر عيشها ، وكما أسلفنا الذكر ، فنظرا لشساعة مساحة هذه القبيلة وتوفرها على أراضي صالحة للزراعة وتوفرها على مناخ دائم الإمطار ، فكل ذلك ساعد سكانها على ممارسة الكثير من الأنشطة الفلاحية كالزراعة وتربية الماشية وغرس الأشجار المثمرة ، هذا فضلا على ممارسة البعض منها لحرف يدوية تقليدية تدر مداخيل محترمة لها ، ويعتبر سوق الثلاثاء بمركز الخميسات المكان الذي تتم فيه عملية البيع والشراء ، بالإضافة إلى سوق أربعاء بهت ، وهما السوقان الرئيسيان لتصريف الساكنة لبضائعهم المختلفة ، أما من حيث الحياة الاجتماعية فإن ما يميز هذه القبيلة هو التحالفات التي تعقدها مع الأخرى المحادية لها أو حتى البعيدة منها ، وهو تحالف مبني على ما يسمى في العرف الأمازيغي “بثاضا” والذي غالبا ما يكون الهدف منه هو السلم والسلام وتجاوز النعرات والحروب ، هذا بالإضافة إلى نظام عرفي آخر اشتهرت به هذه القبيلة هو ” نظام الرفود” الذي ينظم العلاقات الداخلية والخارجية للقبيلة ، وقانون الأرض والملكية المشتركة ، أما فيما يخص الأحكام فإن القبيلة تعتمد في الغالب على العرف ، ولذلك تجدها تمنع الإعدام وتستعيض عنه بالدية أو النفي في الأرض .الشيء الذي يعكس الحق في الحياة في المخيال الشعبي للأمازيغ، رغم شناعة وجسامة الحرم المقترف.
نستطيع أن نجزم أن الدكتور عشاق رغم قلة وشح الكتابات التاريخية التي اهتمت بقبائل زمور عامة وقبيلة “آيت سيبرن ” بشكل خاص ، بذل مجهودا كبيرا في إخراج هذا الكتاب إلى الوجود ، مدعوما بما توصل إليه في بحث شاق ومتعب من معلومات ومعطيات متناثرة هنا وهناك ، واستطاع بفطنة الباحث الحاذق المجرب لململة كل تلك الخيوط ونسجها نسجا محكما لتتحول إلى مادة تاريخية دسمة تثير شهية القارئ والباحث ، لكن دون أن يدعي أنه قد أشفى غليله في هذ البحث ، لأن أسئلة أخرى بخصوص هذا الموضوع لازالت عالقة بذهنه ، يتمنى أن تسعفه الظروف والعثور على مصادر أخرى للإجابة عنها .فيما يستقبل من الزمن.
![]()
