بقلم : ال عشاق- لم يعد العمل البغلماني في الوقت الحاضر مجرد ممارسة بروتوكولية أو شغل للمقاعد تحت قبة المؤسسة التشريعية، انما أضحى عصب الدولة الحديثة وصمام أمانها. إن الدميقراطية تستدعي البحث عن نموذج جديد للبغلماني الفاهم لدوره والاسباب التي يتم اختياره لتمثيل الشعب بالابتعاد عن الشخصانية والبحث عن المصالح الضيقة، ان الرهان اليوم على الكفاءات والكوادر القادرة لافراز المشرع الخبير والسفير الشعبي الذي يحمل هموم المواطن ويحولها إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ. إن البغلماني الذي يستحقه الشعب ذلك المثقف الواعي الذي يدرك أن صوته ليس ملكا لحزبه ولا المحيطين به، انه أمانة في عنق الأمة، وعليه ان يمتلك الرؤية الشاملة لتجاوز ضيق دائرته الانتخابية مدافعا عن المصالح الوطنية العليا.
إن تدبير المال العام يتطلب بغلمانيا يمتلك الأدوات المعرفية والتقنية لفرض الحكامة المالية، ومراقبة أوجه الصرف بصرامة في اطار القانونية لتقعيد الشفافية والنزاهة، والتأكد من أن اموال الشعب تستثمر فعليا في التنمية الحقيقية والمستدجامة، لا في التسيير المفرط أو المشاريع الهامشية التي بدير عليها ميزانيات ضخمة دون نتيجة. كما أننا ننشد ممثلا يجعل من الإنصات لنبض الشارع ممارسة يومية، لا تقتصر على المواسم الانتخابية، انما تحول المطالب الاجتماعية والاقتصادية والرياضية والثقافية والعمرانية إلى مقترحات قوانين ملموسة، مع الانكباب على الأولويات الوطنية الكبرى كإصلاح التعليم والصحة والامن والاستثمار والتشغيل بكفاءة وتخصص، بعيدا عن الوعود الفضفاضة.
ولكي لا تظل المعايير والضوابط مجرد طموحات نظرية، يجب على الناخب اعتماد ادوات تقييم مهني صارمة تجاه كل مترشح. تبدأ هذه الالية الديمقراطية باختبار السجل السابق، فلا نعتمد على الوعود انما على ما قدمه المترشح فعليا من مبادرات للدائرة الانتخابية والاقليم، مع تدقيق نزاهته المالية وتجنب تضارب المصالح. كما يجب قياس كفاءته التقنية عبر فهم قدرته على ممارسة الرقابة المالية والتشريعية، ومدى تمكنه من أدوات المساءلة والقدرة على طرح افكار ، فضلا عن اختباره في معيار القرب عبر التأكد من امتلاكه لآليات مؤسساتية لتلقي مطالب المواطنين والتفاعل معها.
إن العمل البغلماني يتطلب الاستقلالية وروح المبادرة، أي الجرأة على مخالفة التوجهات الحزبية إذا كانت تضر بالمصلحة الوطنية والشعبية، ولاباس من ممارسة الشفافية التامة في عرض الممتلكات ومصادر الدخل، والقدرة العالية على المرافعة والإقناع. إننا ندعو الناخب الواعي إلى طلب التزام مكتوب من المترشحين، يتضمن أولويات قطعية للولاية الانتخابية، مع تعهد بعقد لقاءات تقييم ربع سنوية مع المواطنين. إن صوت القوة الناخبة أقوى أداة رقابية تمتلكها، فلا تمنحه إلا لمن يمتلك الرؤية والكفاءة والجرأة على المواجهة في سبيل المصلحة العامة، فالاختيار المسؤول يعتبر الخطوة الأولى في مسار الإصلاح الديمقراطي الحقيقي، والممثل الذي نستحقه مواطن مسؤول يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويجعل من ممارسة السلطة التشريعية وسيلة للنهوض بالإنسان قبل البنيان.
![]()
